منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٠

الفصل الثالث:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

كذا في عهد رسول الله في حكم الرفع على الراجح حملاً على أنه اطلع على ذلك فأقره لتوفّر دواعيهم على

السؤال» (1).

ج - إنّ ما عُلّق في الشريعة من الأحكام على قول متعدّد لا يترتب فيها الحكم إلا إذا وقع متكرّرًا، ولا يُعتبر إذا نطق بالقول مرّة واحدةً ثمّ أردفَه بِذِكْر العدد، سواء أكان ذلك في الواجبات أم المندوبات. ومثاله إذا أقسم ألا يقول كذا وكذا عشر مرّات، فلا يحنث إلا إذا كرّر ذلك القول عشر مرات، بخلاف ما إذا ذكر العدد 10 بعد النطق بالقول مرة واحدة (2).

على أنّ له وجهًا آخر في الترجيح أكثر صلة بالمقاصد وحكم التشريع، وسأذكره في محله من المعيار

المقاصدي.

ومن الملاحظ أنّ الشيخ بيوض كان مخالفا لما عليه جمهور الإباضية في هذه المسألة (3)، وهذا يدل على استقلاليته في الترجيح، واختياره الأقوى في النظر متى تبين له ذلك. هذا، ونجد الإمام السالمي يعتبر أن القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد مرّةً واحدةً أقوى حجة، أما ما ذهب إليه الجمهور فهو أقوى من حيث سد الذرائع. وفي هذا يقول: «فمنهم من قال لا تكون ثلاثا حتى يوقعها ثلاث مرّات، ومنهم من قال تقع بإجمال الإيقاع الواحد إذا دلّ عليها، وعلينا (4) الفتوى في المذهب سدا للذريعة ودفعا للمفاسد ولولا ذلك لكان الأوّل أقوى نظرا» (5).

وأورد هنا ملخص رأي الشيخ في المسألة حيث يقول: لن نترك حكم الله وحكم رسوله من أجل رأي رآه عمر مع ظهور الحكمة وتبين وجه الحق فيما شرعه الله وأحْكَمه؛ لذلك كله رأينا بعد الاجتهاد في المسألة، واستقصاء البحث فيها، أن لا مناص لنا من الفتوى بحكم الله وحكم رسوله في أن لفظ الثلاث لا يجعل الطلاق ثلاثا، وهو في الحقيقة لم يقع إلا مرة واحدة فلا اعتبار عندنا مطلقا لهذه الأعداد التي ينطق بها المطلقون والمحرّمون، بل هي لغو لا قيمة له، وإنّما نعتبر في الفتوى الطلاق الفعلي في مرته الأولى أو مرته الثانية أو الثالثة، ونلغي جميع ما وراء ذلك إلا أن نأمر صاحبه بالتوبة لعصيانه بمخالفته أمر الله وسنّة

(1) ابن حجر: فتح الباري، 362/ 9. ينظر: بيوض: الفتاوى، 430 - 431.

(3) ينظر اطفيش شرح النيل 435/ 13 السالمي: جوابات الإمام السالمي، 148/ 3.

(4) كذا بالأصل، ويبدو أنّ الصواب: [وعليها].

(5) السالمي: الجوابات، 197/ 3.

270}