منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٢٧٤

الفصل الثالث:

ثالثا: الترجيح بالمقاصد:

منهج الشيخ بيوض في الاستنباط والتنزيل والترجيح

تكمن أهمية مقاصد الشريعة في هيمنتها على مختلف مراحل عملية الاجتهاد؛ حيث تصاحب المقاصد العقل الفقهي من حين النظر في دلالات النصوص إلى غاية تطبيق الأحكام على الوقائع. ومن المراحل التي يهتم فيها الاجتهاد بفقه المقاصد الترجيح بين الآراء والمذاهب، وذلك باختيار الأنسب لمقاصد الشارع، والأوفق للعدل والمصلحة.

وبعد أن تبيَّن لنا حضور الفكر المقاصدي عند الشيخ بيوض في المباحث السابقة، أحاول في هذا الفرع بيان دور آخر لهذا الفكر، وهو حضوره في مجال الترجيح بين الآراء والأقوال. وهذا من خلال عرض نماذج من اختياراته الفقهيّة التي كانت المقاصد من أوجه الترجيح فيها.

أ ما وافق مقاصد الشارع من الحكم:

-1 - قد ذُكر سابقا في مسألة الطلاق الثلاث اختيار الشيخ القول بوقوعه مرة واحدة لا ثلاثا، كما تمّ تبيين أوجه الترجيح عنده من حيث صحة النصوص وقوَّة دلالاتها.

وهنالك وجه آخر اعتمده الشيخ في الترجيح يتعلّق بمقصد الشارع وحِكْمَته في التشريع؛ حيث يبينه

(1)

قائلا: «فمَنْ تأمّل هذه الآية الكريمة المحكمة فضل تأمل أدرك وجه هذه الحكمة الإلهية في هذا التشريع

السامي، الذي ضمن للعباد مصالحهم، كما لاحظ فيه طبائعهم. وجميع هذه الحِكم السامية المعتبرة في تعداد الطلاق وترتيبه، والتي هي روح مشروعيته تذهب سدى، ولا يبقى لها من أثر إذا جعلنا الطلاق الثلاث

بلفظ واحدٍ ثلاثًا حقا، ورتبنا عليه ما رتبه الله تبارك وتعالى على المرّات الثلاث المتعددة المتوالية» (2). لكن الملاحظ أنّ الشيخ بيوض لم يبيّن وجه المصلحة في المحافظة على حكم الشارع كما هو في صريح القرآن، بل ذكر على وجه العموم أنّ للشارع حِكَمًا في ترتيبه الطلاق الثلاث على أساس وقوعه حقيقةً في الخارج لا في لفظ المطلق. وكأنَّ الشيخ يريد بهذا أنّ للشارع مقاصد أرادها في هذا التشريع وإنْ لم نعلمها على وجه الحقيقة، لكنَّ المحافظة على ذلك الحكم محقق لمصالح راجعة إلى المكلفين، بل إنّ مخالفته مفوتةٌ لهذه المصالح وموقعة في المفاسد.

كما يبدو أنَّ من حِكَم تفريق الطلقات الثلاث، وجعل الأُولَيَيْن رجعية، الرفق بالرجل من جهة؛

(1) يقصد آيتي البقرة: 229 - 230، وقد ذكرهما قبل، وإن اعتبرهما آية واحدة في النص، وهو تعبير موهم.

(2) الفتاوى 4302

(274)