منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي جابر بن سليمان بن عيسى فخار

منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي

الجزء ١ · صفحة ٣٠

الفصل الأول:

الشيخ بيوض، عصره وحياته

أما في عهد الاحتلال الفرنسي، فقد عاش وادي مزاب تحت نيران الحكم العسكري، الذي يصفه الشيخ عبد الرحمن بكلّي (1) بقوله: «حُكْمُ، بَيْد أنّه وحشي فظيع، وبغي، لكنّه فظ غليظ، وظلم إلا أنه فوضى غير مهذب الحواشي، تتبرأ منه العدالة السماوية، ويستعيذ من قساوته قانون الإنسانية. إنّه الوباء الذي أصاب وطن ميزاب، فأزال معنوياته، وأتلف خصائصه، وسمّم دماءه، وفسخ أخلاقه، واستنزف قواه،

(3)

واستل الشهامة من نفسه، والشجاعة من قلبه وفرّقه شيعا، وجعل بأس سكانه بينهم شديدا» (2). وقد كانت الإدارة العسكرية تُعيَّن في كلّ قرية من قرى الوادي قائدا من الأهالي، يتولى رعاية مصالحها، وتنفيذ سياستها، غير أنّ علاقة أعيان البلدة ورجال العزّابة بهذا القائد كانت تشهد حالة مدّ وجزر، وتوافق وتخالف. ففي القرارة مثلا شهدت في بعض الفترات صراعا بين العزابة والأعيان وبين القياد)؛ نظرا لتواطؤ هؤلاء أحيانا مع أصحاب الفساد، وتمالئهم على الظلم والطغيان، خاصة ضدّ المعارضين لسياستهم الداعمة للمخططات الاستعمارية هذا، وظلّ وادي مزاب - ومنها القرارة - تحت سلطة الحكم العسكري إلى سنة 1947 م، حيث صار الحكم مدنيا على غرار مدن الشمال، غير أنّ المنطقة دخلت في طورٍ جديد من الصراع مع الاستعمار، ومجابهة مخططاته؛ منها تدبيره مؤامرة فصل الصحراء عن الشمال، نظرا لما تتميز به المنطقة من خصائص جيوسياسية، بيد أنّ هذه المحاولات أجهضت، وتحطّمت إرادة الاستعمار أمام صلابة وحدة أهالي

الجنوب

(5)

(4). w

—

(1) عبد الرحمن بن عمر بكلّي، "البكري" (1319 هـ/ 1901 ام 1406 هـ/1986 م من أقطاب الحركة الإصلاحية بميزاب درس علوم اللغة والشريعة على يد عمه الحاج عمر، والشيخ يوسف حمو علي. التحق بالبعثة الميزابية بتونس، ودرس في جامع الزيتونة. كان عضواً في لجنة صياغة قانون جمعية العلماء المسلمين، وشارك في تأسيس جمعية النهضة بالعطف، وجمعية الفتح ببريان، وفيها أدار النشاط التربوي والإصلاحي. تولى رئاسة مجلس عمي سعيد. من أعماله المطبوعة: تحقيق «كتاب النيل»، له كتاب فتاوى البكري، وله تراث أدبي لا يزال أغلبه مخطوطا. ينظر: جمعية التراث: معجم أعلام الإباضية، 2/ 253).

(2) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 28.

(3) القياد كلمة عربية غير فصيحة مفردها، قائد لكن شاع استعمالها في عرف الناس على تلك الصيغة. (4) ينظر: دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ط 1، المطبعة العربية الجزائر 1391 هـ - 1971 م، 2/ 187–190. من الأحداث التي تنمّ عن هذا الصراع ما وقع في القرارة سنة 1324 هـ / 1906 م، حيث ارتكب القائد في ذلك العهد موبقات في عرسه، فتبرأ منه العزابة وانتقاما لنفسه طلب من الحاكم العسكري في غرداية نفي العزابة إلى سجن (تعظميت بالأغواط، وفرض الأعمال الشاقة عليهم، فنفذت الإدارة الاستعمارية طلبه. كما اعتقلت أيضا جماعة من العزابة لإعلان برائتهم من القائد نفسه لفتحه دارا للبغاء والفساد في المدينة. ينظر: دبوز نهضة الجزائر، 2/ 194 - 205). (5) ينظر: دبوز: نهضة، الجزائر، 104/ 3 - 105. النوري، حمو عيسى: دور الميزابيين في تاريخ الجزائر قديما وحديثا، دار

(30)