منهج الشيخ بيوض في الاجتهاد الفقهي
الجزء ١ · صفحة ٩٠أدلة الاجتهاد عند الشيخ بيوض
الفصل الثاني: يرى الشيخ بيوض أنّ هناك من المسائل الفقهية ما لا يجوز فيها العمل بالظنّ إذا أمكن اليقين، ومثل لذلك بمسألة الاجتهاد في القبلة؛ حيث يجب على مَنِ اشتبهت عليه جهة القبلة أن يجتهد في تعيينها، ويصلّي إلى ما أداه إليه ظنّه، أما إذا كان معه من هو خبير بالاتجاهات متيقن بجهة القبلة، فعليه أن يترك ظنّه ويتبع المتيقن، لأنّ اليقين يغلب الظن دائما (1).
ومن القواعد الفقهيّة المتعلقة بهذه المسألة قاعدة اليقين" مُقدّم على الظن، والظنّ مُقدّم على
الشك " (2)
وقاعدة: "لا معتبر بالاجتهاد بعد اليقين
(3) "
إذن، فلا يصح ترك العمل باليقين أو الظنّ الغالب لما هو دونه في الرتبة)، والمكلّف ـ سواء كان مجتهدا أو مقلدا ـ مأمور بالعمل بأقوى مراتب الظنّ ما أمكن، إلى أن يبلغ درجة اليقين.
على أنّ العمل بهذه القاعدة جارٍ فيما إذا عارض اليقين أو الظنُّ القوي ما هو دونه في الرتبة، فيكون التقديم حينئذ للأقوى.
ومن القضايا المعاصرة المتعلّقة بهذه المسألة قضيّة العمل بالحساب الفلكي في الصوم والإفطار؛ فبناءً على هذا الأصل ذهب الشيخ بيوض إلى تقديم معطيات الحساب الفلكي على خبر الرؤية إذا تعارضا؛ لأنّ نتيجة الحساب يقينيّة، في حين أن خبر الرؤية ظنّي، واليقين مقدَّم على الظنّ، وفي هذا يقول: «عندنا شكّ كبير جدا في رؤية الهلال التي نُخبر بها من بعيد، وعندنا اليقين الذي هو الحساب القطعي اليقيني، ويسهل علينا التوصل إليه، فما كان ينبغي أن نترك هذا اليقين» (5).
إلا أن قوله: «عندنا شكّ كبير جدا في رؤية الهلال .. فيه مشكل، ولكن يمكن أن يقصد بالشكّ احتمال الخطأ الوارد على خبر الرؤية، ولا يعني به المفهوم الاصطلاحي للشك عند الأصوليين، الذي هو تساوي الطرفين؛ لأنّ هذا الشك لا تقوم به حجّة اتفاقا، وإلا كان هذا نقضا منه للأصل الذي قرره سابقا، وهو كون خبر الواحد العدل حجّة موجبة للعمل في الأحكام العمليّة، لذا يمكن أن يلاحظ أنّ في كلامه (1) بيوض: درس الحساب الفلكي، حلقة:1.
(2) البورنو، محمد صدقي بن أحمد موسوعة القواعد الفقهية، ط.1، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، 1424 هـ – 2003 م،
443/ 12
(3) السرخسي، محمد بن أبي سهل المبسوط، تح خليل محي الدين الميس، ط 1، دار الفكر، بيروت- لبنان، 1421 هـ-
65/ 3 p 2000
(4) ينظر: الريسوني نظرية التقريب والتغليب، ص 272. (5) درس الحساب الفلكي، حلقة 1.
(90)