قصص السيرة النبوية المكتوبة للأطفال بالجزائر
الجزء ١ · صفحة ١١٥د - الحرص على التصوير الفني والعمق في تناول الشخصيات وإخراج مشاهد مفعمة بالحيوية، والعمق في تصوير الشخصية، وربط نموها بنمو العالم الخارجي، وتفاعلها معه.
1
فالحركة للتناغمة بين نمو الشخصية النبوية والأحداث للتصاعدة تجعل الطفل القارئ يندمج وسط الأحداث، فيتفاعل مع شخصية النبي، ويقاسمها الأفراح والأحزان، فكاتب السيرة ليس مجرد مؤرّخ ينقل ما سمع أو ما شاهد أو قرأ، بل لابد أن يتابع الشخصية في تطورها وتغيرها"2.
إذ نجد من الكتاب من استطاع إذكاء جو من الحيوية والحركة، من خلال الربط والانسجام بين الأحداث والشخصيات، فنجد النبي حاضرا في أغلب الفترات، ويشارك في صنع الحدث، إما شخصيا وإما انتدابا من أحد أصحابه، سواء في السلم والحرب، أو في الرخاء والشدة، وأحيانا يتوقف الكاتب عند حدث هام ليستنطق كوامن النبي صلى الله عليه وسلم وأحاسيسه ومشاعره تجاه الحدث، فيضفي على الموقف تفاعلا وحيوية وعمقا.
هـ - أن لا يبعد شخصية محمد عم من صنف البشر، فيحيطه الكاتب بسياج القداسة، ويتحدث عن عبقري خارق، لا عن إنسان عادي، فهذا من شأنه أن يحدث اضطرابا كثيرا، مما ينحرف بسيرته إلى مجرد فصول بعضها يتميز بالنظر الدقيق النافذ، وبعضها يعتمد على قوة الذكاء في الفحص والتبرير، وهو للأخذ الذي لوحظ في عبقريات العقاد، ومنها "عبقرية محمد".
وقد وجدنا من كتاب قصص السيرة الجزائريين من غالى في تعظيم الشخصية المحمدية وتمجيدها، مما أبعد إمكانية التقمص، وجعل الطفل يتابع تصرفاتها من موقع أدنى يستحيل التسلل منه إلى لموقع الذي وضعت فيه شخصية النبي، مما نتج عنه خيبة أمل في تحقيق الأهداف المرجوة في مثل هذا النوع من الكتابات، وتجلى ذلك خصوصا في عدم التفريق خلال تفسير بعض تصرفاتها على أنها من قبيل الوحي الإلهي، في حين أنها تعد من صفات النبل الإنساني.
ولا يعني هذا إلغاء الخصوصيات النبوة، أو تحويرا في تفسيرها وتبريرها، وإنما تكمن مقدرة الكاتب في بيان الفرق بين تصرفات محمد النبي، ومحمد البشري، بحيث يجد للتلقي الصغير فسحة نحو الامتصاص، ومن تم الاقتداء والتأسي. فمحمد رسول ونبي يوحى إليه، ومحاط بعناية إلهية، إلا أنه كذلك إنسان أمين محمود الخلق محبوب الصحبة .. الخ، كان في قمة الإنسانية قبل النبوة، فزادته النبوة شرفا ونبلا.
و التوافق مع خصائص الطفولة وأهداف المجتمع فالأطفال يندمجون مع أبطال القصص، ويتقمصون أدوار أولئك الذين يتأثرون بهم، فيشترط لذلك أن يكون رسم الشخصيات سليما، حيث إن التقمص هو عملية لا شعورية يمتص من خلالها الفرد
1 - بعض الشخصيات التاريخية إذا كان بينها صراعا دراميا قد يعطي لها المؤرخ سطوراً معدودة أو حتى حاشية، أما عند الأديب فقد يخصصه بست صفحات حافلة لتصوير الطبيعة الدرامية لهذه الشخصيات، فيركز على قيمها وآمالها واستراتيجيتها، وصفاتها الداخلية، وهو ما فعله راستن لما كتب سيرة فرجينيا وولف.
2 - ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص 23.
107