قصص السيرة النبوية المكتوبة للأطفال بالجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٤٤ج- ما تعلق بالعقدة، إذا تأملنا الخط البياني للسيرة النبوية عموما، فإنه يمكننا رصد بعض الوقائع وللمراحل التي يمكن أن تكون بمثابة العقدة، وهذا بالنظر إلى أحد الاعتبارين:
أولهما ما كان من وقع الأحداث على نفسية النبي محمد، فإذا أخذنا هذا الاعتبار، إلى جانب ما صرح به النبي بلسانه، فإن حدث الرجوع من الطائف بعد للمقابلة السيئة التي قوبل بها من قبيلة ثقيف تعد الحدث الأشد تعقيدا، وقد صرح بهذا الأمر لزوجه عائشة بنت أبي بكر الصديق، حين سألته عن أصعب لحظة عاشها في حياته. أما الاعتبار الثاني فهو ما كان من وقع الأحداث على ضبط مسار السيرة، فنجد بهذا عدة وقائع يمكن أن تتشكل منها عقدة السيرة، فإلى جانب الحدث السالف الذكر، يمكن أن يكون وفاة خديجة وأبا طالب في عام الحزن، أو وقوف طامعي جائزة قريش أمام غار ثور في مناسبة الهجرة بحثا عن النبي، أو قرار النبي مواجهة قريش في بدر أو هزيمة المسلمين في أحد، أحداثا تتشكل منها العقدة في بناء السيرة النبوية.
ونظرا لهذا التعدد والثراء، فقد حرصت قصة السيرة النبوية للأطفال بالجزائر على تعدد أنماط العقدة فيها، تبعا لتعدد مراحل الطفولة. إذ نجد سلسلة "من غزوات الرسول" لإلياس بن ساعد، حرصت على تشكيل العقدة في كل حلقة من حلقات السلسلة. قفي غزوة بدر تجسدت العقدة في قرار النبي بمواجهة قريش وفي أحد بهزيمة للمسلمين، وفي الأحزاب بخيانة بني قريظة، وهكذا. فقد حرص عليها طلبا لمواصلة القراءة، ثم عقب للحل في كل عقدة بانفراج للأحداث، ويختم ذلك كله بما أفرزت تلك الغزوة من نتائج إما انتصارات مادية ومعنوية وهو الغالب، وإما دروسا تربوية وإيمانية تعلمها المسلمون.
أما "السيرة النبوية" لعبد الحق سعودي تكاد تخلو معظم أجزاء سلسلتها من العقدة الفنية، إذ حرصت على إضفاء مسحة قصصية تحقق جوهر الفن القصصي، من وجود أحداث وشخصيات قليلة، ومكان أو أمكنة متعددة، لكنها اجتهدت في تحقيق متعة فنية، تناسب للرحلة التي يفترض أن تتوجه إليها.
فخبرة الكاتب بوقائع السيرة النبوية من سبل نجاحه في تشكيلها، لاسيما إذا توفرت له للقدرة الفنية على توظيفها وتشكيلها فنيا خلال ما يكتبه من قصص للأطفال، مما يجذب انتباههم، ويستثير أشواقهم، ويزكي فاعليتهم في التعامل مع النصوص القصصية، مما يجعل قصص السيرة النبوية يحقق غاياته التربوية والفكرية والجمالية والنفسية.
وعليه فإن هذا الطفل الناقد سيواجهك بالحقيقة العارية فيما رضي عنه وما لم يرض، وستتعرف منه مواطن القوة والضعف من خلال تعقيباته وملاحظاته وأسئلته، فإن حديثه الحمين العذب ما هو إلا تحليل دقيق لما تأثرت به نفسه من العمل القصصي الذي
قرأه أو استمع إليه.
3. 2 الاستدلال والإقناع:
لا يختلف نقاد الأدب ودارسوه في تحديد الخصائص اللغوية التي يرتكز عليه الخطاب الأدبي، بل إن الاختلاف يتراءى إذا ما تعلق بطاقة هذا الخطاب ووظيفته، وكذا تفرع دلالاته وانزياحها، مع تقريبه في الوقت نفسه من فئة الذين أنشئ من أجلهم
1 - محمود تيمور، القصة في الأدب العربي وبحوث أخرى، منشورات المكتبة العصرية، صيدا بيروت، (د. ت) ص 65.
136