قصص السيرة النبوية المكتوب للأطفال بالجزائر: دراسة إحصائية تحليلية في الموضوعات والبناء الفني سعيد بن يحيى بهون علي

قصص السيرة النبوية المكتوبة للأطفال بالجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٤

القيادة للمؤرخ دون أي تحفّظ أو نظر أو مراجعة، فالمؤرخ إذ يرسم صورة لحادثة تاريخية مجتهد، يستخدم كل مركبه العقلي العام، ومزاجه وخياله ومنهجيته، مما يحتمل لعمله الصواب والخطأ، وهو ما يُحمل على العقاد في كتابته عن شخصيات الأقدمين، والأمر نفسه مع بعض دراسات المستشرقين وللتأثرين بهم، لما تمثله مدرستهم من تشكيك في وقائع السيرة من ناحية، ومن تفسير وفهم خاطئ للمواقف من ناحية أخرى، وكذا عدم اعتمادهم في الأعم الأغلب على منهج التوثيق الإسلامي الدقيق، بالإضافة إلى موقفهم الخاص من قضية الخوارق والعجزات

2

ج - التفريق بين الوقائع الحقيقية الكبرى للسيرة وبين زيادات للمؤرخين التي تأتي بدافع تشكيل بنية، إذ كثيراً ما يقع التحريف والوهم وللبالغة في التفاصيل الدقيقة التي يسوقها للمؤرخ، وليس في الخطوط العريضة للوقائع والمشكل أن كثيراً من الذين يعتمدون أسلوب الحرفية في فهم التاريخ يهتمون اهتماماً مبالغاً فيه بتلك الجزئيات، مما يجعل الوهم و الإيهام من أوثق حلفائهم، فكاتب السيرة بحاجة إلى قراءة وإعادة قراءة للمدونة التاريخية، حتى يتمكن من التمييز بين الواقعة ورؤية لمؤرّخ لها، فلا يستسلم لنظراته 3. ويؤكد أحد الدارسين على هذا الجانب فيقول: "يحتاج فهم ما يكتبه للمؤرخ أن نحاول قراءة ما بين السطور وطرح عدد من الأسئلة للمتعلقة بعمله، وسيكون في إمكاننا أن نتساءل عن مدى قدرة لمؤرخ على ترك مسافة واعية بين رأيه الشخصي وبين الأحداث التي يؤرخ لها؟، أي محاولة تجنب الدمج بين رؤيته الشخصية للحدث وبين للعطيات والحيثيات للكونة له، فمهما بذل لمؤرخ من جهد من أجل تعريفنا بالماضي فإنه لن يستطيع إلا أن ينقل لنا صورة غامضة وملتبسة، وذلك لأن الأحداث المحكية هي في الغالب على صلة بالإنسان، وما كان كذلك فإنه سيظل بينه وبين الوضوح مسافات طويلة".

من

د - أن يستند الانتقاء على رؤية عامة حول الواقعة التاريخية لدى الأديب، حتى يتمكن من الترجيح بين الروايات بما يمكنه بناء تصوّر متكامل عن الواقعة، فمن أخطر ما يتعرّض له العمل التاريخي هو الانتقائية، فالروايات للمتعددة وللمتضاربة أحياناً حول حادثة من الحوادث تملي على للمؤرّخ أن يختار منها ما يتناسب مع رؤيته العامة لتلك الحادثة، وحين تتوفّر معلومات كثيرة حول واقعة ما فإن المشكلة لا تزول ولكن تتبدّى في ثوب آخر، وسيظل على لمؤرخ أن يقوم بالترجيح، وإلا خنقه سبيل الأخبار المحدبة التي لا يربط بينها أي رابط، وأن يكون الانتقاء على أسس موضوعية محضة بعيدا عن الخلفيات الأيديولوجية أو الذاتية، ويستند في عمله على مبدأ الإثارة والأهمية، موضوعا وشخصيات ومكانا وأحداثا ..

1 - عبد الكريم بكار، 149 بصيرة في التراث والماضي والتاريخ والمستقبل وطبائع الأشياء، دار الفكر، دمشق، (د. ت)،

ص 33.

-2 - ينظر محمد سعيد رمضان البوطي، فقه السيرة، ص 5 وما بعدها. 3 - ينظر عبد الكريم بكار، 149 بصيرة في التراث والماضي .. ، ص 32. 4 - المرجع نفسه، ص

37

5 - ينظر جيمس رستن الابن James Restor ، الرواية والتاريخ تر حسام الخطيب المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث الدوحة، مارس 2005، ص 3. وجيمس رستن (الإبن): روائي وكاتب أمريكي، محاضر في الكتابة الإبداعية، جامعة نورث كارولينا، له أكثر من ثلاثين رواية ومسرحية، منها: "غاليليو سيرة حياة"، "مقاتلون في سبيل الله ريتشارد قلب الأسد وصلاح الدين".

16