قصص السيرة النبوية المكتوب للأطفال بالجزائر: دراسة إحصائية تحليلية في الموضوعات والبناء الفني سعيد بن يحيى بهون علي

قصص السيرة النبوية المكتوبة للأطفال بالجزائر

الجزء ١ · صفحة ٢٥

هـ - السيرة النبوية كانت سيرة عملية وليست نظرية، فمن أوضح الأمور لمن يتدبر نشأة الجماعة للمؤمنة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف نمت وتطورت، وكيف عالجت مشاكلها الداخلية بين أفرادها والخارجية مع أعدائها، أن نهج الشرع كان عمليا، إذ لم يتقدم محمد ا بوثيقة عمل لمن يخالفونه يشرح فيها وجهات نظره، ورؤيته للمستقبل، وإنما كان هادئا كثير الصمت يعمل ولا يتكلم، ومن الواضح جدا أن الأفراد ميزتهم للمواقف ولم يتميزوا بالمعرفة الذهنية، ولا بأصوات العامة لهم، وللطلوب من كاتب السيرة النبوية أن يركز على هذا الأمر، وأن يقف مع الأحداث يبين كيف كانت الدعوة جادة، و لم تكن يوما ما مفاهيم نظرية. 2. 1. 2 ـ كاتب السيرة:

على كاتب السيرة أن يتحلى في كتابته بالصفات الآتية:

أ للموضوعية والاعتدال في الحكم والتقرير عند تصوير حياة النبي وهو في صراع متطور مع مستجدات الأحداث، فقد يتبنى الكاتب في سيرته منهجا تحليليا أو تركيبيا، ولكنه إذا سار في هذه الطريق أو تلك عليه ألا يسخر الأحكام والأحداث وملابسات الحياة لعاطفته، فإن ازدياد العاطفة ينحرف بالسيرة عن وضعها الطبيعي، بل لابد له أن يبني ما يكتبه على أساس متين من الصدق، بالاعتماد على التاريخ الصحيح، فإذا ضعف هذا العنصر لم تعد تسمى سيرة، لأن الخيال قد يخرجها مخرجا جديدا، ويجعلها قصة منمقة ممتعة، ويتجرد الباحث في السيرة النبوية من كل الأهواء الشخصية، ولا يخضع للأحكام المسبقة وللميول المذهبية والحزبية والفكرية، حتى تبقى السيرة نبعا صافيا ينهل منه كل دارس على مر العصور، فهي بكر متجدّدة للاهتداء بها في كل موقف

وحدث.

3

ب - قوة التحليل النقدي إلى جانب روح الحماسة، من خلال الفهم العميق لنفسية بطل السيرة وما يدور حوله من ملابسات، والعمق في إدراك المعاني الكلية، واستخراج النماذج الإنسانية العامة، واستنباط العبرة من كل الأحداث التي يعنى بدراستها، وأهم ما يلحظه الكاتب في السيرة النمو والتطور والتغير في الشخصية مع مراحل تقدم السن، ولذلك كان من المحتوم عليه أن يتتبع التدرج التاريخي، وأن يلحظ بدقة تأثير الأحداث في الخارج والداخل على نفسية صاحبها، ومن واجب الكاتب أن ينمي عند القارئ مقدار الشعور بهذا الفرق في طريقة إيحائية لبقة.

-1 - من أمثلة البعد العملي في سيرته عليه السلام حصار المخلفين عن غزوة تبوك خمسين يوما ليتلقوا درسا عمليا، في عدم مخالفة أوامر القائد.

2 نجح ميخائيل نعيمة في سيرة "جبران" باستيفاء العناصر الفنية، وفيه اكتمل للسيرة وجودها في الأدب العربي الحديث، من حيث الغاية والتطبيق، فقد كتبه كاتبه حين رأى أن جبران كاد يكون بعد وفاته بعام أسطورة من الأساطير، وفي أغلب فصول كتابه يجعلنا نحس بجبران في صراعه مع الحياة إحساسا دقيقا، مستعينا بفهمه النفسي، فوضع في السيرة العربية ما وضعه ستراتشي في السيرة الإنجليزية. ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص 74.

-3 - يبرز في هذا استيفان اتسفايج، حيث تميز "بالعمق وإدراك المعاني الكلية واستخراج النماذج الإنسانية العامة، واستنباط العبرة من كل الأحداث التي يعنى بدراستها، ويمتاز ببراعة في وصف المناظر الطبيعية التي تجري في داخل إطارها الأحداث" ينظر عبد الرحمان، بدوي الموت والعبقرية، مكتبة النهضة، 1954، ص 38.

17