قصص السيرة النبوية المكتوبة للأطفال بالجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٦ج - سعة الاطلاع، فإذا كان كاتب السيرة غير محتاج إلى قوة كبيرة من الخيال، فإنه لا يستطيع الاستغناء عن سعة الاطلاع، فكل رواية وأحيانا كل كلمة لها قيمتها في إنماء تصوّره، وفي تجلية السيرة التي يريد أن يكتبها، وينبغي عليه أن يسعى إلى جمع أكبر قدر من المعلومات عن حياة من يكتب عنه، وإن لم يستلزم هذا أن يضمن ما يكتبه من سيرة كل هذه للعلومات، وتتمثل براعته ومقدرته وتفوقه في القدرة على تقديم صورة متكاملة أقرب إلى الصدق التام وإلى الحقيقة.
د - التحلي يقظة ذهنية مستمرة، مشفوعة بإرهاف خاص في التذوق والحدس والترجيح وحسن الانتقاء: كأن يحرص على إبراز البعد الحضاري على حساب الصراع السياسي، ذلك أن مهمة كاتب السيرة كمهمة أي فنان، هي أن يقرب ويبعد، ويستبقي، ويرفض، فما كل شيء يستحق التسجيل، ولا يكفيه أن يكون له ما للمؤرخ من قوة ناقدة تعرف أين هو موطن الضعف، وتفرز الرواية للمغرضة من الرواية الصحيحة، بل لابد له من إدراك ذوقي دقيق، يعرف به ما يحسن أن يبقيه أو ينفيه من الصحيح نفسه، وعليه أن يمهد في نفس القارئ لبعض الحوادث التي يقوم بها للترجم له إن كانت لا تتناسب ومقاييس العصر من تغيير، وما يلحق لمفهومات من تفاوت مع الزمن، بمعنى أن يتمتع بالقدرة على تطويع للمادة التاريخية في سياق بناء فني.
2
-- الخيال اللازم لربط أجزاء السيرة في وحدة كاملة، وهو خيال يضع الكلمة اللازمة والحوار الضروري في كل موقف إذا قصر الواقع، ولا يهتم بالصيغة الأصلية للخبر إلا بمقدار، وهي مقدرة قصصية لا تستغني عنها السيرة حين يراد لها أن تكون أدبية، والتعليل والحوار يستند إلى براعة الكاتب في دقة رسمه لأجزاء الصورة، من خلال ضروب من الإيهام بأن الكاتب ينقل الواقع ولا يعلوه، بعيدا عن التكلف للبلاغة.
و - تفادي الطابع الأكاديمي منفردا، أو الاستناد كليا إلى مناهج المحدثين في التشريح والتحليل والتدقيق في الاستنتاج بعد عرض المتناقض للمضطرب من الروايات لاستخلاص الحقائق منها، مما يعرض تاريخ الحياة كروايات تكدس بعضها فوق بعض، وتغرق في أثنائها شخصية الدارس، ويصبح الشخص للترجم له ظلا باهتا لا تمده قوة من حياة، ولا تكشف عنه أصالة من نقد، مما يجعل السيرة جزءا من الحديث، تخضع لأحكام الإسناد خضوعا دقيقا، كروايات متفرقة مقيدة يجمعها موضوع واحد، ويعوق الإسناد رواتها عن التفسير والتحليل، لأن جهدهم منصرف إلى صدق الخبر
3
ز - الاطلاع على الدراسات النقدية وعدم الاعتماد فقط على ما قاله القدماء، فكاتب السيرة للتأخر مطالب بتجاوز للفهوم التقليدي في العناية بالتراجم، من إعادة ما كتب من قبل فقط، في بيان إنشائي مفكك، وحماسة مفتعلة.
1 - وفي هذا يقول عماد الدين خليل: "هناك خطأ كبير في تدريس مادة التاريخ الإسلامي، وهذا حين أعطينا تسعة أعشار الزمن الدراسي للتاريخ السياسي، وضيقنا الخناق على التاريخ الحضاري، وبما أن الحلقة الأضعف في تاريخنا هي الحلقة السياسية، والحلقة الأقوى هي الحلقة الحضارية، نكون كمن يبحر ضد نفسه بتضييق الخناق على الحلقة المضيئة القوية". ينظر عماد الدين خليل دراسة في السيرة، الرسالة، بيروت، ط 9، 1985، ص 35. 2 - ينظر إحسان عباس، فن السيرة، ص 78. 3 - وهو ما فعله ابن إسحاق في السيرة حينما تخلص من الإسناد، فلقي انتقادا من مدرسة المدينة، وعلى رأسها مالك بن أنس، حيث جاءت السيرة لونا جديدا في التأليف، وأصبحت هي المصدر الأول لفهم حياته وأعماله.
18