قصص السيرة النبوية المكتوبة للأطفال بالجزائر
الجزء ١ · صفحة ٦٧ويغتنم ناصر بوحجام الحدث ليستعرض وقائع من هجرة بعض الأوائل، وفي مقدمتهم أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجه وابنه،
وما تعرض له من ابتراز فرق بينه وبين زوجه، وبينهما وبين ابنهما، ليضع القارئ في صورة من أبشع صور الأذى، وفي مقابلها صورة من صور التضحية النفسية لما يهاجر تاركا أهله وراءه في سبيل هذا الدين، ويورد الكاتب أم سلمة وهي تتألم من الواقعة، فيقول: "كانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل صباح إلى الأبطح تبكي حتى تمسي .. مضى بها ذلك حوالي سنة"، ثم يترك الكلام لها لتتحدث عن الفرج، وكيف كان في رائعة من صور الأمانة والعفة والشرف، فعثمان بن طلحة بعد إذن قومها لها لحاق زوجها يقوم بمرافقتها خلال سفرها كما لو أنها أمانة ينبغي أن تصل إلى أهلها، فتصفه بعد حين وصفا يدخل به نسق أحداث السيرة من بابه الواسع، فتقول: فو الله ما صحبت رجلا من العرب قط أكرم منه. كان إذا بلغ للمنزل أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلت أخذ بعيري فحط عنه، ثم قيده في الشجرة، ثم تنحى عني إلى شجرة أخرى فاضطجع تحتها، فلم يزل
يصنع ذلك بي حتى أوصلني المدينة .. فقال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة" 2. ويورد نموذجا آخر من نماذج التضحية وهذه للمرة كان بالمال، فصهيب الرومي وقد كان من كبار التجار، خير بين البقاء بمكة ويين ترك أمواله ومغادرتها فاختار الثاني، ونموذج ثالث لكن في صورة معاكسة تكسر سلطان الأذى الذي لازم عددا من لمهاجرين، هو عمر بن الخطاب، فقد خرج شاهرا سيفه منكبا قوسه مبادرا بالاستفزاز على خلاف عادة قريش. ويتوقف محمد ناصر بوحجام عند هذا الحدث ليبين الدرس الإيماني الذي ينبغي استخلاصه من هذه الصور، وكيف أن للمسلمين تركوا أموالهم وأمتعتهم وكل ما يملكون وفروا بدينهم إلى حيث يجدون الجو للناسب للعبادة، وأن هذا السلوك لا يصدر إلا من مؤمن أخلص الدين الله، فهو يتخلص من كل ما يمنعه من عبادة الله حق العبادة، ويترك كل ما يؤخره عن التوجه بسرعة نحو تحقيق هدفه.
3
وقد تناول كتاب قصص السيرة الحدث لكن على تفاوت بين مفصل، ومختصر، ومكتفيا بالإشارة.
قفي
"حياة الرسول" لدار الزيتونة يكتفي جماعة رجال التعليم بإشارات مختصرة للحدث، وهو إيجاز مجحف إذا ما نظرنا إلى وزن الحدث في مسار الدعوة مقارنة ببقية الأحداث، حيث لا يتجاوز بضع جمل، فيقول: "ولما اشتد بهم العذاب والابتلاء أمرهم الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين، ثم أذن الله للنبي
الرسول أن يهاجروا إلى المدينة، وعلى رأس أصحابه عمر بن بالحجرة، فصحب أبا بكر الصديق، فهاجرا معا إلى المدينة " ".
ونجد كمال قندوزي اختصر الحدث كذلك وركز على هجرة الرسول أكثر، واكتفى بالإشارة إلى هجرة أصحابه، بقوله: "أمر النبي أصحابه أن يخرجوا إلى يثرب والتي سماها لمدينة" وراح يتحدث عن هجرة للصطفى عليه السلام بما يناسب مرحلتي الطفولة للمتوسطة وللمتأخرة، وهذا الإيجاز نجده كذلك في سعد الدين دداش، وربما مرده أمران:
1 - الأبطح: جبل من جبال مكة.
2 - محمد ناصر بوحجام، قصص من السيرة للفتيان والفتيات، وزارة الأوقاف، عمان، 2007. 3 - المرجع نفسه، ص 5. 4 - جماعة من رجال التعليم حياة الرسول، الزيتونة للإعلام والنشر، باتنة (د. ت)، ص 12.
59