تاريخ تونس محمد الهادي الشريف

تاريخ تونس

الجزء ١ · صفحة ١٠٧

اما الصناعات الحرفية التي في الحواضر فقد تأثرت تأثرا شديدا باستفحال الفقر بين عامة الشعب بالبوادي، والحال انهم يمثلون اكبر نسبة من حرفائها التقليديين، كما تأثرت بمنافسة المنتوجات

المصنعة الاوروبية وكانت منافسة حادة لا رحمة فيها ولا هوادة وقد بدا انحطاط هذه الصناعات منذ زمن بعيد، ولكنه تفاقم بعد سنة 1930 وخاصة بعيد الحرب العالمية الثانية عندما أغرقت الاسواق بالمنتوجات الفرنسية وتفرنجت الاذواق لدى الطبقات المتوسطة وحتى المتواضعة الحال من السكان (الحضريين)

ولئن اصيبت الصناعات اصابة بالغة فانها بقيت رغم ذلك تشغل أكثر من 100.000 نسمة حوالي 1950 الا انها لم تعد تعمل بكامل طاقتها فانوال الاقمشة مثلا لم تكن تنتج الا الثلث او الربع من طاقتها ولم تعد توفر لاصحابها الا مكاسب ضئيلة لا تسمن ولا تغني من جوع ولكنهم تشبئوا بها واكتفوا بمداخيلها الزهيدة لان الأنشطة العصرية - كالصناعات الثقيلة أو التحويلية التي تستوعب عددا كبيرا من العمال - لم تكن مزدهرة حتى تصبح بديلا من الصناعات التقليدية من حيث التشغيل كما انها لم تكن قادرة على استيعاب كل ما كانت تدفع به البوادي الى المدن من الكادحين.

ولكن هذا لا يمنع من انه قد برزت بتونس طبقة شغيلة بالمعنى العصري، حتى قبل الحرب العالمية الاولى، وسنتعرض في مرحلة تالية الى ما كان من امر تنظيمها والى اهم مشاكلها

د -- الاسهامات الايجابية للحماية والفئات المحلية النامية ان هذه اللوحة السريعة التي رسمناها للتطور الاقتصادي والاجتماعي في تونس المستعمرة قد تبدو لبعضهم أكثر قتامة مما هي عليه في الواقع لأنها مركزة على تصوير مظاهر الخيبة والفشل والالام والمحن. ونقول انها صحيحة في خطوطها الكبرى، وخاصة بالنسبة الى الفترة الممتدة

107