تاريخ تونس محمد الهادي الشريف

تاريخ تونس

الجزء ١ · صفحة ٣١

فوفرت ثمرة أعمال تلك المجموعات القوت للشعب الروماني ومولت خزينة الاكابر والاعيان ومكنت من تشييد مجموعة من الصروح المعمارية الرائعة والثقيلة التكاليف في نفس الوقت. وبقيت تلك المجموعات حتى من الناحية القانونية محرومة من منافع الحضارة الرومانية أو قل انها لم تكن تشارك الا في حمل اعبائها واوزارها. وأخطر من ذلك أن أقواما وشعوبا طردوا بأكملهم الى ما وراء التخوم نحو الجنوب المجدب والمناطق الجبلية الوعرة القاحلة ومن البديهي ان يناصبوا الاسياد الرومانيين العداء. ولم يتمكن هؤلاء الاسياد من تجنب الخطر مدة طويلة الا بجلب رؤساء قبائل البلاد إلى صفوفهم وجعلهم من حلفائهم وأنصارهم و سبزيد يد ضعف الامبراطورية بداية من القرن الثالث وأزمات العهود المتأخرة في حدة هذه التناقضات كما انها ستمهد لانهيار صرح الحضارة الرومانية. ورغم ما عرفته بعض المدن من ازدهار منقطع في القرن الرابع ورغم ما وجد في الضيعات الشاسعة من حياة البذخ (التي تشهد عليها لوحات الفسيفساء (تعددت الانذارات وتراكمت وأخذ الصرح يتصدع: فقد اجتمعت القبائل البربرية على حدود المقاطعة الجنوبية مكونة أحلافا قوية وأصبحت تمثل حواجز منيعة تصد الهيمنة الرومانية وتقف في وجهها. وأخذت المبادلات التجارية في الركود وتأزم الاقتصاد النقدي نتيجة أسباب خارجة عن نطاق البلاد الافريقية وحدها. على ان هذا التقهقر وقع في زمن متأخر بالنسبة الى بقية الاقطار الأخرى ونتيجة لذلك أخذت المدن تسير نحو التداعي والتقهقر مفسحة المجال لازدهار «الاقطاعات» العقارية الشاسعة واثراء أصحابها. واحتدت الصراعات بين مختلف الفئات الاجتماعية دافعة الى الثورة أقصى عدد من بين الضحايا المحرومين والذين لم تستوعبهم الحضارة الرومانية: مثل سكان الجبال من البربر والقبائل المستقرة في مرتفعات نوميديا. وسرعان ما التحق عمال المزارع الكبرى الذين جعلهم

+

بهم

31