تاريخ تونس محمد الهادي الشريف

تاريخ تونس

الجزء ١ · صفحة ٤٥

كبير من القرن التاسع انخرم. فجأة قبل نهاية ذلك القرن نفسه: أفلا يمكن أن نرى في تصرفات ابراهيم الثاني (875 - 902) الجنونية الوحشية آخر المحاولات اليائسة لتذليل الصعوبات ولإزالة الخلافات. وتبين هذه الخلافات بصورة جلية ظهور تناقضات قوية لا تقهر وبروز توتر اجتماعي خطير وتتمثل أجلى هذه التناقضات - ومن الاكيد انها ليست الوحيدة - في الخلاف القائم بين أقلية من الحضر العرب او المستعربين وبين مجموعة كبيرة من السكان البربر المحتقرين المستغلين: ويكفي ان تثور واحدة من تلك المجموعات البربرية منادية باسم مذهب من مذاهب المعارضة الاسلامية لينتهي امر الدولة الأغلبية. وهذا ما حدث سنة 909 الفاطميون في بلاد المغرب (909 - 973): يعتقد الفاطميون أنهم من سلالة علي وفاطمة بنت الرسول، لذلك اعتبروا انفسهم دون غيرهم الورثة الشرعيين للخلافة الاسلامية فقاوموا «المغتصبين» من العباسيين الذين استقروا ببغداد. وتنضاف الى هذه الغاية السياسية المشتركة بين كل اطراف الشيعة (انصار ذرية علي (اهداف تطمح الى الثورة الاجتماعية التي سيحققها المهدي المنتظر ذلك الوارث الشرعي للخلافة والرجل الملهم الذي سينقذ العالم ويعيد له الحق والعدل. فقد قام أحد الدعاة الفاطميين بين البربر في بلاد القبائل. الصغرى) بالجزائر وقادهم الى احتلال الامارة الاغلبية (من سنة 902 الى سنة 909) ودخل المهدي الفاطمي القادم من الشرق القيروان دخول المنتصرين في بداية سنة 910 وتلقب بالخليفة. الا ان الفاطميين لم يحققوا ما وعد به دعاتهم من أمن وازدهار بعد توليهم الحكم. فاقتصروا على مواصلة السير وفق العادات الاغلبية ادخال مع بعض التغييرات عليها. وهذا بالاضافة الى سياسة دينية شيعية نفرت الفقهاء المالكيين - هؤلاء الممثلين في الواقع للمجتمعات الحضرية - بدون ان تتحصل على مساندة الخوارج من البربر. كما ارتفعت الضرائب لمواجهة سياسة خارجية طموحة ترمي الى الاستيلاء على

45