تاريخ تونس محمد الهادي الشريف

تاريخ تونس

الجزء ١ · صفحة ٥٩

وانفتاحها عليه

وتمثل مدينة تونس أوضح مثال على ذلك. فموقع هذه المدينة عاصمة الحفصيين البعيد المنزوي عن وسط البلاد يوحي في حد ذاته بأكثر من معنى. فلم تكن غاية هذه العاصمة سوى السيطرة اقتصاديا على السهول الواقعة في شمال البلاد التونسية الحالية التي كانت تسقيها أمطار تكفيها نسبيا وتعمرها مجموعات تحيا حياة مستقرة. وكان اهتمامها بالبحر الذي يوفر لها موارد هامة يضاهي بل يفوق اهتمامها بداخل البلاد التي كانت تربطها به علاقات عرضية قائمة على العداء غالبا. ورغم ما يلاحظ في كامل بلاد المغرب من ركود وتدهور شامل

فقد تواصل ازدهار مدينة تونس، اذ شيد الحفصيون اسواقها

التي

•

واشتد التباين بين تقدم الصناعات ونشاط التجارة وازدهار الثقافة فيها من ناحية وتدهور أمر الارياف من ناحية أخرى. كما يلاحظ نفس التباين لكن بأقل حدة في المدن الاخرى مثل سوسة وصفاقس وقابس على السواحل ومدن الجريد محط رحال القوافل تلك المدن كانت تبدو وكأنها مراكز نشاط وحركة وسط عالم «عتيق» يغط في سبات عميق. وهكذا قام التباين منذ تلك العهود بين جهات او قطاعات محظوظة نسبيا) الحواضر وسوادها والمناطق التي تمثل حصونا منيعة أو طرقا لا بد من عبورها (وبين المناطق الداخلية التي كتب عليها ان تظل مراعي ممتدة لقطعان القبائل العربية او المستعربة وان تبقى ميدانا لمختلف مظاهر «التخلف» من الناحية الثقافية فقد تغيرت ملامح الحياة الافريقية أيام الدولة الحفصية وسيبقى أثر ذلك قرونا متوالية فقد تواصلت عملية التعريب وازداد نشاطها في الارياف بفضل انتشار القبائل الهلالية واسهامها في عملية الامتزاج بين الاجناس فانحصرت اللغة البربرية في بعض المناطق الجبلية النائية (الجبال الواقعة في الجنوب الشرقي والمناطق

اما

الوعرة شمال وادي مجردة وجبل وسلات بالوسط) أو في جزيرة جربة وتميزت افريقية منذ ذلك العهد عن بقية بلاد المغرب بما تحقق فيها

59