تاريخ تونس
الجزء ١ · صفحة ٦٣+
•
عن المغامرة السياسية في مختلف ممالك بلاد المغرب الاسلامي من بجاية حتى غرناطة. وظل طيلة ربع قرن يجمع التجارب السياسية على اختلافها) من اعلى المناصب الى السجن) المناصب الى السجن) مع المطالعة والتفكير فيما حصل لديه من تجارب وما عرفه من اوضاع مختلفة وهكذا توفرت لديه المادة والمؤهلات الفكرية التي ستنبثق عنها مقدمته لتاريخ البشرية وقد حررها فيما بين سنة 1375 وسنة 1378 معتزلا قلعة في بني سلامة) في مقاطعة وهران الحالية) ولم تلبث عودته الى تونس ان ألبت عليه الاعداء والحاقدين عليه لافكاره الجريئة ولصلابة طبعه وكبريائه. فقصد من جديد طريق العزلة متجها هذه المرة نحو المشرق وانتهى به المطاف في القاهرة حيث قضى بقية حياته مدرسا وقاضيا. على ان تلك الفترة من حياته لم تكن خالية من الاضطراب والتألق معا لقد عرض ابن خلدون فى مقدمته آراءه حول تطور المجتمعات البشرية عرضا منطقيا محكما يقوم على منهج تأليفي معجز. فقد حلل بالخصوص الاسس المادية لوجودها) كل ثروة انما هي ثمرة العمل البشري، وتقسيم العمل من شأنه ان يضاعف من قيمة المنتوج النهائي الخ … (كما قام بحصر مختلف الانشطة البشرية مراعيا في ذلك اختلافها باعتبار المعطيات الجغرافية) مثل تأثير المناخ (او الاجتماعية والثقافية) من بساطة طرق العيش في المجتمعات البدائية الى تعقد الانظمة وتشعبها في المدينة المتحضرة (). كما انه اهتم اهتماما بالغا بتوضيح ظاهرة الملك وتفسيرها: فالملك في بداية الامر هو مجرد العصبية داخل مجموعات صغرى وخاصة منها القبلية ثم انه ينمو ويتطوّر عن طريق الغزو والتوسع ليصبح في النهاية مملكة تقوم على الغلبة والقوة وتستقر داخل مدينة. وعندئذ تضمحل اللحمة القائمة على العصبية وتنحل الطبائع بتأثير الاغراق في حياة البذخ وترف الحضارة: لذلك كان أهل المدن معرضين بصورة حتمية لغزاة جدد يتولدون من مناطق القبائل الداخلية أو من خارج المجتمع (المتحضر». فأبرز
63