تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية محمد عبد الحليم بيشي

تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية

الجزء ١ · صفحة ١٠

أما السلوكات السلبية فيمكن إجمالها في الأنفة والحمية المبالغ فيها والتي تورث الفوضى والثأر والرغبة في الإنعتاق من القيود التي تفرضها الأنظمة مثل الضرائب والمكوس، وكذلك شيوع تقاليد الغزو والصراع على المياه والمراعي والرغبة في بسط السيطرة على الآخرين.

كما تمتاز الحياة الاجتماعية بديمقراطية متمثلة في الحرية في نقد السلوكات السياسية والعسكرية لقيادة القبيلة، وسوف يكون لهذه الخصيصة أثر كبير في مشكلة الزعامة عند الشعانبة في حروب المقاومة للاستعمار؛ إذ كانت في الغالب تؤول إلى غيرهم من زعماء الطرق الصوفية الثائرين

ضد فرنسا مثل الشريف بن عبد الله والشريف بو شوشة محمد بن التومي وقادة أولاد سيد الشيخ. والزعامة في الشعانبة وراثية في الغالب، ولكن بشرط موافقة جماعة الكبار على الترشيح وقد تؤول الزعامة إلى قائد عسكري يعينه مجلس القبيلة في وقت الحرب، وحين ذاك تبرز مواهبه القيادية في تحقيق النصر فيتولى مشيخة القبيلة لكن هذا لا يحدث إلا في النادر وفي حالة الاضطراب العام أو في أوقات الشدة حيث أن نظام القبيلة الديمقراطي لا يسمح بالجمع بين المسؤوليات السياسية والمهام العسكرية

تمتاز الحياة الاجتماعية للبدو بالرتابة، فمقاليد الأمور بيد شيخ القبيلة الذي يعاونه مجلس الكبار، وهو الذي يدير قضايا السلم والحرب، فهو القاضي والمفاوض والموقع للاتفاقيات والعهود والتحالفات، وهو الساهر على تطبيق الأعراف القبلية في الزواج والطلاق والديات والخطايا، كما أن هذه الحياة تمتاز بصلابة العلاقات الاجتماعية داخل القبيلة نتيجة التزاوج والمصاهرة والمشاركة في منافع المياه

والمراعي والاشتراك في قوافل التجارة وكذا في عمليات الغزو ضد القبائل المعادية. وعلى العكس من ذلك امتازت حياة الحضر بأنظمة تقليدية خاصة، فالميزابيون يتولى تنظيم شؤون عشائرهم رئيس للعشيرة يسمى الضامن، ومجموعات رؤساء العشائر يكونون مجلس الجماعة الذي ينتخب رئيسا يسمى برئيس العرش، ومع استقلالية كل عشيرة في تسيير شؤونها الداخلية فإن مجلس الضمان يشتغل بالأمور المدنية للبلدة ويصدر القرارات ويشرف على حفظ الأمن وحراسة البلد، وللمجلس ميزانية يجمعها من مختلف العشائر ويصرفها في أشغال بناء المنشآت العمومية وصيانتها، ومنها تقاسم المياه والسدود

أما القضايا الدينية كالإشراف على المساجد والتعليم القرآني والديني وتنظيم الاحتفالات الدينية والاجتماعية كالأفراح والمآتم، فذلك يخضع لسلطة حلقة العزابة المكونة من كبار الفقهاء والمعلمين، وقرارات الحلقة نافدة على كل فرد وإلا كان في براءة وهجر المسلمين حتى يتوب ويعود إلى الالتزام العام بنظام جماعة أهل الدعوة والإستقامة، أي المسلمين الإباضيين. والقضايا الاجتماعية تنظمها الجماعة حسب الظروف، والسلطة النهائية هي لمجلس عمي سعيد وهو المجلس الأعلى للعشائر الميزابية، وتقوم حلقة العزابة ومجلس الضمان بتنفيذ ومراقبة تطبيق قرارات المجلس الأعلى

أما الشعانبة الحضر بقصر متليلي فقد كان لهم مجلس يسمى بمجلس العشرة، و ينتمي إليه مندوبون عن أغلب القبائل، ويعود إليه تنظيم قضايا قصر متليلي وسوقها ويكون منه وكيل مكلف بحفظ أموال البدو، وكذا ضامن الأمن لتجار القوافل العابرة، وكانت قراراته تنشر في فصل الخريف عندما تحط القبائل رحالها بالوادي والمدينة لجني الثمار وتبادل السلع وإقامة الحفلات والأعراس وتجديد التحالفات وإصلاح ذات البين، وقد آل عمل هذا المجلس إلى العمل في سرية تامة غداة السيطرة الفرنسية، وانتهى أمره بسجن أغلب أعضائه في معتقل تعضميت سنة 1927 م.

2 - راجع المصدر السابق ص 135 إسماعيل العربي، الصحراء الكبرى و شواطئها ص 165. 1 - الحاج سعيد، المصدر السابق ص 49.

2 - راجع: بعمارة عيسى، اتفاقات المجالس العامة لميزاب

6

الجزائر، دار الشهاب باتنة،1990.

-17 -