تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية
الجزء ١ · صفحة ١٦٧هـ - إن معاهدة 1853 لم تعد تفي بكثير من الحقوق، خاصة بعد انتهاكها، فعدا الخصوصية التي نالتها الأمة الميزابية في قضايا القضاء والتعليم وإدارة الأوقاف الإباضية فإن باقي القضايا كانت بيد الحكام المحليين العسكريين 1، مما يجعل المعاهدة ذات صبغة صورية مقارنة بتطور النظام السياسي في
الشمال.
ويمكن أن نشير هنا إلى أن الدافع لحزب الإصلاح لدخول هاته الانتخابات والإفادة من نتائجها السياسية يعود للأمور التالية:
1 - الطبيعة السياسية لتوجهات الإصلاحيين والقائمة على تبني سياسة المشاركة والانبثاث وتطبيع العلاقات مع الإدارة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وكذا إفادة السكان بتكوين علمي حديث للإداريين من السكان أنفسهم، من أجل التحكم في المجال الاقتصادي واكتساب الخبرة في الحقوق والقانون، وهاته السياسة قد رسمها الشيخ بيوض منذ انطلاق دعوته الإصلاحية في الأوساط الإباضية، وفي هذا يقول زعيم الإصلاح في خطاب له أمام جمعية الإصلاح بغرداية يوم 14 سبتمبر 1944: "نسير إلى غايتنا بثبات وهدوء وبالطرق الشرعية والقانونية، لا نطفر ولا نتسوّر الأسوار، نحن واثقون بالنجاح والنصر النهائي، نصلح في كل مجلس، وندخل في كل محكمة ونتبوأ كل منصب، ونقضي على كل فساد، فيعم الإصلاح جميع الهيئات والمؤسسات
2 "
2 - الهم الاقتصادي الذي كان حاضرا بقوة في تفكير حزب الإصلاح من حيث اعتماد مؤسساته وجمعياته على مساعدات وزكوات التجار، فقد شجّع الحزب على دخول المضمار الاقتصادي بقوة من أجل منافسة اليهود داخل غرداية وكذا الأوربيين في الشمال ولهذا دعا الشيخ بيوض في مسجد القرارة إلى إنشاء الشركات الإسلامية لتعمير الوطن وإلى التعليم العصري العربي والفرنسي، وتولي الوظائف الحكومية لمنفعة المسلمين وذلك عام 1924 بعد توليه مشيخة مسجد القرارة بشهور
3 - الرغبة في تعميم الإصلاح في كل قرى ميزاب ومحاصرة المحافظين الذين كانوا ينبزون بالجامدين ولا يتم ذلك إلا بالجهود الذاتية وكذا بتطبيع العلاقات مع الإدارة التي كانت ترى في حركة الإصلاح حزبا خطيرا عليها، ولأجل هذا اتسم عمل الإصلاح والشيخ بيوض بالمرونة في التحرك السياسي والمراوغة مع المستعمر لقضاء بعض المآرب وبلوغ بعض الأهداف الوطنية
5
وقد كانت سياسة التطبيع مع الإدارة واستثمار الصداقات المحلية لبعض التجار والزعماء أمثال عيسي بن عمارة وغيره مع القادة السياسيين والعسكريين 3 سياسة ذات أثر مزدوج كثيرا ما نعى عليها المحافظون وسوف تظهر أثارها السلبية فيما بعد.
1
2
طالب الشيخ بيوض في عريضته المقدمة للجنة الإصلاحات الإسلامية في 03 جانفي 1944 بإلغاء الحكم العسكري و تعويضه بحكم
مدني، أنظر المرجع السابق ص 169 محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر ج 4 ص 106. 3 المرجع السابق، ج 5 ص 61 محمد بن قاسم بن ناصر بوحجام، الشيخ بيوض و العمل السياسي. ط 1 غرداية. المطبعة العربية. سنة 1991.ص 26 5 - انظر نماذج من هاته السياسة في، أعلام الإصلاح في الجزائر (الجزء الرابع الخاص بالشيخ بيوض) ص 241 - 255.
4
-174 -