تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية محمد عبد الحليم بيشي

تطور الثورة الجزائرية في ناحية غرداية

الجزء ١ · صفحة ٢٢

ثانيا: الحركة الوطنية في المنطقة.

إن تحليل أحداث الثورة الجزائرية بهاته المنطقة لا يتأتى بدون البحث عن جذور النضال ووسائله وأحداته، وكذا إن لم يستند إلى فهم حقيقي ومتكامل للحركتين الوطنية والإصلاحية، وبسبب التمايز العرقي والمذهبي في المنطقة فإننا نجد صعوبة في الكلام عن الموضوع بدون أن ندرسه في المجالين الثقافيين المتمايزين هناك وهما المجال الإباضي والمالكي. ويجب التأكيد على أن هاته التحاليل للمواقف والأحداث بهذا الشكل لا يعني السير في تعميق الهوة بين المجالين بقدر ما هو محاولة لفهم الأسباب الجديرة بالقبول لما وقع من أحدات خلال ثورة التحرير، مع التنبيه على أن هذا التمايز لم يكن دائما وقائما، ففي بعض الأحيان يتجاذب الطرفان الأحداث في الناحية السلبية والإيجابية كما سوف نرى.

1: عند الميزابيين. عرفت ميزاب الوعي الوطني والقومي بالموازاة مع نشأته المتقدمة في الشمال بحكم الإحتكاك التجاري والتقافي للتجار الميزابيين الذين كان لهم دور في نشاط الحركات السياسية الأولى مثل حركة الأمير خالد الجزائري، كما لعب بعض ميزابي الشمال دورا في دعم فيدرالية النواب الجزائريين بزعامة ابن جلول وفرحات عباس، إلا أن هاته الحركة لم يكن لها كبير تأثير في الوادي بسبب اتجاهها اليميني اليبرالي الذي لا يتوافق والتوجه الديني الميزابي. كما أن الإتجاه اليساري والإدماجي لم يجد له صدى إلا عند أقلية من الميزابيين، ولعل المنطق الجديد للحركات السياسية اليسارية واليمينية لم يكن له تأثير داخل وادي ميزاب بسبب ما تحمله هاته الاتجاهات من افكار لا تتوافق والمحتوى الثقافي للميزابيين، وهو محتوى يأخذ جذوره وأشكاله من العمق العربي والالتزام الاسلامي السديد

ولعل أبرز مشاركة للميزابيين في أحداث الحركة الوطنية وهمومها كان بعد الحرب العالمية الأولى (1919 - 1914)، حيث كان لقضية التجنيد الإجباري على الجزائريين في الحرب دور في اشعال الجذوة الوطنية الرافضة لذلك، وخاصة عند الميزابيين اللذين قاوموا بشدة هذا التجنيد للأسباب التالية المتمثلة في الوازع الديني الذي يمنع المسلم من العمل عند الكفار لارتكابهم جرائم ممنوعة بحكم الشرع وأيضا في الأضرار الاجتماعية الواقعة عل سكان الوادي وكذلك الاقتصادية إضافة إلى منافاة التجنيد لمعاهدة ميزاب مع فرنسا سنة 1853

وكانت فرنساقد تذرعت بقانون 3 - 3 - 2 - 1912 والمعدل في مادته الأولى في تاريخ 28 - 11 - 1918، والقاضية بتسجيل الأهالي البالغين 19 عاما غير المولودين هناك والقاطنين بها أكثر من سنة وحيث أن كثيرا من الميزابيين كانوا تجارا في الشمال فقد شملهم القرار الجائر وبحكم أن أقاليم الجنوب كانت خاضعة للحكم العسكري فان التجنيد لم يشملها، واستثنيت من ذلك ميزاب الملحقة بالتراب الفرنسي بحكم قرار 2 - 11 - 1882 وكان تطبيق القرار 1920 و 1921 مجحفا زاد من السخط ومن تنامي الوعي القومي لدى الطائفة الميزابية التي قامت على مدار عشرين سنة بالمطالبة بإلغائه عن طريق تقديم العرائض والشكاوي لمختلف السلطات المدنية

سنتي

والعسكرية، حتى كان إلغائه بمقتضى دستور الجزائر سنة 1947 على عهد الوالي شاطينو.2 لكن هذا الإجماع الميزابي حول القضايا التي تهم الوادي مثل التجنيد والمطالبة بتخفيف الضرائب وعدم التصرف في أراضي العروش ومنع استغلال المياه للشركات سرعان ما بدأ يتأكل

1 محمد عمر بن عيسى، مذكرات ووثائق عن وادي ميزاب تونس، مطبعة النهضة،1951،ص 54 - 55. 2 - علي يحي معمر، الإباضية في الجزائر ج 2 ص 587.

-29 -