توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ١٢٠الفصل الثاني سندات توثيق الأعيان الوقفية
إباحة، لأن يأمن بعضهم بعضا فيدع الكتاب والشهود والرهن» (1)
وقال الجصاص: ولا خلاف بين فقهاء الأمصار، أنّ الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئا منه غير واجب … (2).
وممّا يدلّ على أنّ الأمر للندب ما جاء عن رسول الله x من أحاديث تدلّ على تركه الكتابة والإشهاد في تعامله، ومن ذلك:
أ - حديث طارق المحاربي، وفيه: أنّ النبي × أتاهم وهم قعود، فسلم عليهم - وهم لا يعرفونه - ومعنا جمل أحمر، فقال: «تبيعوني جملكم»؟ قلنا: «نعم»، قال: «بكم»؟ قلنا: «بكذا وكذا صاعا من تمر»، فما استوضعنا شيئا، وقال: «قد أخذته»، ثمّ أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنّا، فتلاومنا بيننا، وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه …
(A)
ب - حديث شهادة خزيمة، وفيه: «أنّ النبي x ابتاع فرساً من أعرابي، فاستتبعه النبي × ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله x المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أنّ النبي x ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله ×، فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقال النبي: أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه. فقال النبي: بل قد ابتعته منك. فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا. فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي x على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال: بتصديقك يا
رسول الله. فجعل رسول الله * شهادة خزيمة بشهادة رجلين (5).
(6)
فدل الحديثان على أنّ الرسول × اشترى ولم يكتب أو يشهد، ولو كانت الكتابة والشهادة واجبتين لما تركهما النبي، وتركه لهما مع الأمر بهما في القرآن + فاكْتُبُوهُ "، دليل على أنّ الأمر للندب لا للوجوب قال الجصاص: «وقد نقلت الأمة خلفا عن سلف عقود المداينات، والأشربة، والبياعات، في أمصارهم من غير إشهاد مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به، وفي ذلك دليل على أنّهم رأوه، ندبا، وذلك منقول من
عصر النبي × إلى يومنا هذا … (7)
1 - الأم، 90/ 3.
2 - أحكام القرآن، 482/ 1.
3 - انظر المغني، 382/ 6، وتوثيق الديون، ص 40.
4 - أخرجه الدارقطني في سننه، كتاب البيوع، 44/ 3، 45، وقال عنه صاحب التعليق المغني على سنن الدارقطني (بذيل السنن) رواته كلهم ثقات.
5 - أخرجه أبو داود في سننه، كتاب القضاء، باب إذا علم الحاكم صدق شهادة الواحد يجوز له أن يقضي به، رقم: 3607، 308/ 3 والنسائي في سننه، كتاب البيوع، باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، 301/ 7. والحاكم في المستدرك، 17/ 2، 18، وقال عنه: «هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات ولم يخرجاه». وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود، 399/ 2.
6 - انظر تفسير القرآن الكريم، لابن كثير، 349/ 1، وتوثيق الديون، ص 43، 44. 7 - أحكام القرآن، 482/ 1.