توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ١٢٣الفصل الثاني: سندات توثيق الأعيان الوقفية
كانت معتبرة لطلبها الرسول × ولم يكتف بالشاهدين (1).
المناقشة
قالوا: إن قول النبي: x: «شاهداك». المراد به بيّنتك سواء كانت رجلين، أو رجلا وامرأتين، أو رجلا ويمين الطالب؛ وإنّما خص الشاهدين بالذكر؛ لأنّه الأغلب، فالمعنى شاهداك أو ما يقوم مقامهما، ولو لزم من ذلك رد الشاهد واليمين لكونه لم يذكر، للزم رد الشاهد والمرأتين لكونه لم يذكر … فدل على أن ظاهر لفظ الشاهدين غير مراد، بل المراد هو أو ما يقوم مقامه» (2).
2 - أن الخطوط تتشابه وقابلة للتقليد والتزوير، فلا يؤمن تزوير الخط ونحوه، فلا يحتجّ بالكتابة مع وجود هذا الاحتمال.
قال ابن القيم وقال المانعون من العمل بالخطوط الخطوط قابلة للمشابهة والمحاكاة، وهل كانت قصة عثمان ومقتله إلا بسبب الخط، فإنّهم صنعوا مثل خاتمه، وكتبوا مثل كتابه حتى جرى ما
جرى … (3)
المناقشة:
نوقش بأن الخطوط كالأشخاص، والعقل يميّز الخطوط كما يميّز الأشخاص والصور،
(4)
والتشابه نادر، والنادر لا حكم له.
قال ابن القيم: «قد جعل الله سبحانه في خط كل كاتب ما يتميّز به عن خط غيره، كتميز صورته وصوته عن صورته وصوته والناس يشهدون شهادة لا يستريبون فيها أن هذا خط فلاه، وإن جازت محاكاته ومشابهته، فلا بدّ من فرق .... وقد دلت الأدلة المتضافرة - التي تقرب من القطع - على قبول شهادة الأعمى فيما طريقه السمع، إذا عرف الصوت، مع تشابه الأصوات - إن لم يكن أعظم من تشابه الخطوط - فليس دونه» (5)
وأمّا احتمال التزوير، فلا يكفي لردّ حجية الخط والاعتماد عليه، حيث أصبح كشف ذلك في هذا العصر - متحققا، فالخط له خبراء يقومون بمضاهاته، وفحصه بوسائل متقدمة جدا تمكنهم من معرفة التزوير في المحررات، أو سلامتها من التزوير، ونسبة الخط إلى صاحبه (6).
الترجيح:
الراجح - والله أعلم - القول بحجيّة الكتابة والعمل بها إذا تحققت نسبة الخط إلى كاتبه، لقوة أدلة هذا القول وكثرتها، تحقيقا للمصالح المؤدية إلى حفظ الحقوق، ورفعا للحرج والمشقة، وتلبية لحاجة الناس اليوم في توثيق حقوقهم بالكتابة، وبخاصة في هذا العصر الذي شاع فيه استخدام الكتابة وسيلة من وسائل التوثيق، حتى أصبح العمل بها منتشرا لتيسر أسباب الكتابة، وتطوّر وسائل كشف تزوير الوثائق، وطرق مضاهاة الخطوط، حتى أصبح علماً من علوم العصر، وله
1
-
انظر توثيق الديون، ص 338. 2 - فتح الباري، 283/ 5. الطرق الحكمية ص 210، وانظر: الهداية، 120/ 3، والأشباه والنظائر مع شرحه غمز عيون البصائر، 307/ 2، 309، ورد المحتار، 622/ 6، والذخيرة، 160/ 10، والبيان، 111/ 13، وفتح الباري، 144/ 13.
-
3
4
انظر تبصرة الحكام، 440/ 1.
5 - الطرق الحكمية، ص 207. 6 - توثيق الديون، ص 340.