توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ١٣٧

دراسة قانونية أولية لوقف سيدي بنور

مؤسسة الحرمين، بدعوى أنّ مداخيلها تنفق على الأجانب، كما تضمّن القرار انتزاع أوقاف الجامع الكبير، ونصت مادته السادسة على تغريم كلّ من لا يدلي بما عنده من أحباس. وجاء في تقرير وزير الحربية الفرنسي المؤرخ في 23 مارس 1843 م «أنّ مصاريف

ومداخيل المؤسسات الدينية تضمّ إلى ميزانية الحكومة الفرنسية (1)

وليس أدل على موقف الإدارة الفرنسية من مؤسسة الوقف الذي كان سائدا آنذاك من قول الكاتب الفرنسي (Blanqui): «إن مؤسسات الأوقاف تعدّ أحد العقبات الصعبة التي تحد من سياسة الاستعمار والتي تحول دون الإصلاحات الكبرى، والتي وحدها القادرة على تطوير المناطق التي أخضعتها قوة السلاح وحولتها إلى مستعمرة حقيقية». فنظام الأوقاف في نظر سلطات الاحتلال الفرنسي يتنافى مع المبادئ الاقتصادية التي يقوم عليها الوجود الاستعماري، وذلك لكون الوقف كان في حد ذاته جهازا إداريا ووسيلة اقتصادية فعالة تحول دون المساس بالمقومات الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية للجزائريين وهذا ما دفع قادة الجيش الفرنسي للعمل على مراقبة المؤسسات الوقفية وتصفيتها، والاستيلاء عليها باعتبارها أحد العوائق التي كانت تحول دون تطوير الاستعمار الفرنسي، وفي هذا يقول أحد الكتاب الفرنسيين Zeys»: «إنّ الأوقاف تتعارض والسياسة الاستعمارية وتتنافى مع المبادئ الاقتصادية التي يقوم عليها الوجود الاستعماري الفرنسي في الجزائر». ولهذا بالذات عملت الإدارة الفرنسية جاهدة على إصدار سلسلة من المراسيم والقرارات تنص على نزع صفة المناعة والحصانة عن الأملاك الوقفية (2).

،

لقد جاء البند الخامس من معاهدة 05 جويلية 1830 م الخاصة بتسليم مدينة الجزائر المحافظة على أموال الأوقاف وعدم التعرض إليها بسوء من طرف فرنسا، لكن الإدارة الفرنسية من خلال مراسيمها وقراراتها المتتالية (أربعة) مراسيم)، فيما يخص الوقف، عملت عكس ما اتفق عليه، هادفة من وراء ذلك إلى تصفية مؤسسات الوقف وإدخال الأملاك الوقفية في نطاق التعامل التجاري والتبادل العقاري، حتى يسهل للأوربيين امتلاكها.

المطلب الثالث: نشأة وقف سيدي بنور

ليس لدينا تاريخا محدّدا لإنشاء وقف سيدي بنور، إلا أنّ المشهور أنّ الوقف أسس بعيدة الدخول العثماني للجزائر (3). لأنّ الذين أسسوا الوقف هم التجار الميزابيين الذين انتقلوا من مدن ميزاب الثمانية لولاية غرداية مع ورقلة إلى الجزائر العاصمة للتجارة، وبالعودة إلى الدراسات التاريخية نجد أنّ التجارة الميزابية في العاصمة ازدهرت ونشطت بعد دخول الأتراك إلى الجزائر المحمية وبسط الأمن والاستقرار بها.

يذكر الأستاذ إبراهيم مطياز في كتابه تاريخ ميزاب أن حادثة وقعت في سنة: 1640 م، وهي أنّ قافلة من الميزابيين قادمة من غرداية إلى العاصمة، وفي طريقها بمنطقة قصر البخاري ولاية المدية هجم عليها قطاع الطرق، فقتل أحدهم فنقل جثمانه إلى المقبرة سيدي بنور ودفن

1 - محمد البشير الهاشمي مغلي، التكوين الاقتصادي لنظام الوقف الجزائري ودوره في مقاومة الاحتلال الفرنسي، مجلة المصادر العدد السادس مارس 2002 م المركز الوطني للدراسات والبحث من الحركة الوطنية وثورة نوفمبر 1954، الجزائر، ص: 166 و 167.

2 - ناصر الدين سعيدوني، دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر، العهد العثماني، المؤسسة الوطنية للكتاب، 1986، ص: 165. 3 - لقاء مع ناظر الوقف السيد الحاج عاشور الناصر.

139