توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ٢٢

الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق

1 - وصول الأحاديث والآثار الواردة في تشريع الوقف إلى بعض الأئمة، دون وصولها إلى البعض الآخر، كما هو الشأن بالنسبة لحديث ابن عمر T عن وقف أبيه عمر بن الخطاب، السابق ذكره، الذي لم يصل إلى الأمام أبو حنيفة، ولو وصله لكان له رأي الجمهور في تعريف الوقف، كما حدث لصاحبيه.

2 - اختلاف أئمة المذاهب في فهم ما تدل عليه عبارات حديث ابن عمر T السابق ذكره، وما جاء بعدها من عبارات الواقفين من الصحابة أجمعين.

الأمر الثالث: إن مراعاة الأمر السابق يجعلنا نوفق بين التعارض الموجود في التعاريف السابقة، ونقلص هوة الاختلاف بينهما لتصبح متعلقة بمسألة ملكية العين الموقوفة أهي على حكم الله، أم هي على حكم الواقف أو الموقوف عليهم، أم على ملكية الوقف لنفسه؟ (1)

وفي رأينا أنّ هذه المسألة الأخيرة فنّية لأجل موافقة الأصول العامة في الملكية والتي مؤداها أنّ الملكية مؤبدة، ولأنها مسألة فنية فأيّما حيلة قانونية رجّحناها كانت مقبولة، ما دام الاتفاق حاصلا على أن المال الموقوف يخضع لمنطق عدم نفاذ أي تصرف تمليكي عليه، ولكن الأرجح في رأينا، هو تعريف الجمهور الذي يجعل الوقف على حكم ملك الله تعالى، على أساس أن لفظ «حكم» - كما يرى بعض الفقهاء - تشير إلى أنّ المخلوقات بأثرها محبوسة على ملك الله دائما، فالكون وما فيه ملك الله سبحانه، وقد استخلف الله تعالى الإنسان في مملكته وائتمنه ما فيها، بحيث لا يكون للمخلوق فيه تصرف سوى المنفعة.

في الأخير، وإن كنا قد رجحنا تعريف الجمهور فإنّه من المفيد تقرير أن أحسن تعريف للوقف هو الذي ينأى عن مواطن الاختلاف الفقهي السابق، والذي يمثل الصيغة التي نقترحها والتي تفيد أنّ الوقف: «هو منع التصرف في رقبة العين والتبرع بمنفعتها»، فهذه الصيغة في اعتقادنا تحدّد الإطار العام للوقف، وتترك التفاصيل لظروف الزمان ولتطوّر الأفهام.

الفرع الثالث: التعريف القانوني للأعيان الوقفية: الوقف عقد التزام تبرع صادر عن إرادة منفردة. هكذا عرفته المادة 04 من قانون الأوقاف. نلاحظ أن المشرع عرّف الوقف بأنه: عقد التزام. وهذا إطناب، يكفى أن ينص على أنه عقد، لأنّ الكلمة تفيد معنى الالتزام. ويقصد بالإرادة، إرادة الواقف، أمّا المنفردة، فإنّ الإيجاب شرط لوجود العقد، أمّا القبول أي قبول الموقوف عليهم، فهو شرط لنفاذه إذا كان الوقف خاص، وتخلف قبول الموقوف عليهم لا يبطل العقد. (2)

يقصد بالتعريف: منع الأعيان المالية من التصرف فيها، ويستثنى منه التصرف في المنفعة. فالوقف بناء على هذا، هو سبب من أسباب الملكية الناقصة، التي لا تجتمع فيها ملكية الرقبة والمنفعة، في يد واحدة وفي وقت واحد. إذ تصبح الأعيان الموقوفة ممنوعة من التداول الناقل للملكية حالاً ومآلا، بأي سبب من

1

الأسباب.

انظر تفاصيل موضوع ملكية الوقف لنفسه في الفصل الثاني.

2 - انظر رامول خالد، الإطار القانوني والتنظيمي لأملاك الوقف … مرجع سابق، ص: 51.