توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٢٩الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
الفرع الثاني: من السنة:
دلت سنة النبي × القولية والفعلية على مشروعية التوثيق، فمن ذلك:
أ. حديث عبد الله بن عمر T أنّ رسول الله × قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (1).
فهذا الحديث يدلّ على مشروعية توثيق الوصية بالكتابة، والوقف مثله.
ب. حديث العداء (2) بن خالد بن هوذة، قال: ألا أقرأ لك كتابا كتبه لي رسول الله × قلت: «ألا بلى، فأخرج كتابا هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله × اشترى منه عبدا أو أمة … (3)
فالنبي × وثق شراء العداء، وهو المعروف بالثقة والأمانة، فكيف بغيره ممن لا يؤمن عليه تبدّل الأحوال، وتغيّر القلوب؟ فدلّ تعليمه x في هذا الحديث على مشروعية التوثيق في المعاملات والحقوق، ومنها الوقف (4).
الفرع الثالث: الإجماع:
اتفق العلماء على مشروعية التوثيق في الجملة.
قال العمراني: «وأجمعت الأمة على جواز الكتاب والعمل به، لأنّ الحاجة داعية إلى ذلك» (5)
قال ابن القيم: ولم يزل الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال يعتمدون على كتب بعضهم لبعض، ولا يُشهدون حاملها على ما فيها، ولا يقرؤونها عليه، وهذا عمل الناس في زمن نبيهم إلى الآن (6)
شرع لنا الإسلام التوثيق في كل تصرف مشروع، أمّا التعامل غير المشروع فإنّه يحرّم توثيقه، لأن الغرض من التوثيق تقوية التصرف، وإثبات الالتزامات التي ترتبت عليه
-
1
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصايا وقول النبي: وصية الرجل مكتوبة عنده، 355/ 5 مع فتح الباري، ومسلم في صحيحه، كتاب الوصية 74/ 11 مع شرح النووي. 2 - العداء: بفتح أوله التشديد، وآخره همزة ابن خالد بن هوذة بن خالد بن عمرو … ابن هوازن العامري، أسلم هو وأبوه وكانا سيدي قومهما، وكان العداء قد وفد النبي ×، وأقطعه مياها كانت لبني عامر، يقال لها الرخيخ، وهو آخر من مات بالرخيخ من الصحابة روى عنه جمع غفير. انظر: ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، ج 7، ص: 163، مطبعة دار المعارف النظامية، ط 1، 1326 هـ.
3 - أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب ما جاء في كتاب الشروط، وقال عنه هذا حديث حسن غريب. انظر: عارضة الأحوذي، 220/ 5، وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات باب شراء الرقيق 756/ 2، والبخاري تعليقا في صحيحه، كتاب البيوع، باب إذا بيّن البيعان ولم يكتما ونصحا 309/ 4 مع فتح الباري، وحسّنه الألباني في صحيح
سنن ابن ماجه 23/ 2.
4 - انظر: عارضة الأحوذي، 221/ 5.
5 - البيان، للعمراني، 110/ 13.
6 - الطرق الحكمية، لابن قيم ص 207، وانظر المبسوط، 168/ 30.