توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٣٦الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
لهم أن يصلوا في المسجد القريب لأنّه أفضل.
مثل أن يشترط أن يشتري من ريع الوقف كل يوم طعاما معيّنا ليوزع على طلبة العلم في مدرسة معيّنة، لكن يختار الطلبة أن يصرف لهم ثمن الطعام نقدا يوميا، فيجوز لناظر الوقف أن يجيبهم إلى طلبهم؛ لأنّ المخالفة لشرط الواقف هنا لا تفوت غرضه الذي قصد منه مساعدتهم على طلب العلم، وقد يكون دفع الثمن أجدى لهم وأنفع.
مثل أن يشترط الواقف أن تعطى مرتبات معيّنة لموظفي مدرسة أو مسجد وتغيرت الظروف المعيشة بحلول الغلاء وأصبحت المرتبات غير كافية لأصحابها، والمصلحة تقتضي زيادتها، فيجوز مخالفة شرط الواقف بإذن القاضي الذي له الحق في تقدير تغيرات الظروف والأحوال (1)
ذكر بن عابدين في حاشيته: «يجوز تغيير شروط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية .. ، واحتاج الناس إلى الجهاد، صرف إلى الجند» (2).
وعموما، فإنّ الأصل هو مراعاة روح شروط الواقف لا ظواهر نصوصه وصيغ شروطه، مع توخي الشروط المرنة المحققة لمصالح المسلمين والمساعدة على تحقيق الخير العام للمجتمع الإنساني، عند تحرير عقد الوقف.
الفرع الرابع: بيع الوقف واستبداله
ذهب كثير من الفقهاء في مختلف المذاهب إلى جواز استبدال الوقف وبيعه عندما تستدعي الضرورة ذلك، ووضعوا لهذا الإجراء شروطا معيّنة،
واتفق غالبيتهم على جواز نقل مال وقف معيّن إلى وقف آخر لإعانته به، ومن أمثلة ذلك أنهم أجازوا بيع الدور الموقوفة لتوسيع مسجد كما أجازوا إدخالها فيه، و سمحوا بنقل سجاد ومصابيح مسجد خرب إلى مسجد آخر عامر، وأجازوا التضحية ببعض الوقف لأجل الكل، كبيع جزء منه لتعمير بقيته بثمنه، أو تخصيص جزء من وقف مقبرة إلى بناء مدرسة أو محلات للكراء، وأجازوا استبدال الآنية الصغرى بالآنية الكبيرة الموقوفة وإنفاق ما فضل من ثمن الاستبدال على إصلاحها.
وخلاصة الأمر أن المالكية (3) والشافعية (4) والإباضية (5) والزيدية (6) يضيقون أمر الوقف واستبداله، تخوّفوا من تحوّل الأموال الموقوفة إلى أموال خاصة، أي من ضياعها وفنائها وانتهاب أثمانها، في حين يتوسّع فيه الحنفية والحنابلة إلى درجة أنّ هؤلاء يجيزون للمصلحة ولو كان المستبدل مسجدا بشرط إيجاد ما يقوم مقامه.
-
1
محمد مصطفى شلبي، أحكام الوصايا والأوقاف، ص: 375، 377 مجموع فتاوى ابن تيمية، 31، ص:14 وما
بعدها.
2 - انظر حاشية ابن عابدين ص: 387/ 4، ابن تيمية الاختيارات الفقهية، ص: 176. 3 - المدونة الكبرى، الامام مالك، ج 342/ 4، الذخيرة للقرافي، ج/325 وما بعدها. مغني المحتاج النووي، ج 392/ 2.
4
5 - البكري، عبد الرحمان بكلي، فتاوى البكري، ج 100/ 2، الكندي، محمد بن إبراهيم، ج 67/ 37، الكندي، أحمد بن عبد الله، ج 145/ 19. السالمي نور الدين جوابات السالمي، ج 525/ 1. 6 - السيل الجرار للشوكاني، ج 325/ 5 وما بعدها.