توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٣٧الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
والراجح أنّ الحنفية (1) والحنابلة (2)، بتوسّعهم في أمر بيع الوقف واستبداله، إنّما قصدوا إلى
تعظيم الغلاة، والمنافع، وتوسيع مجالاته عبر تقليل شروطه، والتركيز على إيجاد ما يقوم مقام الوقف المستبدل أو المباع، فإذا لم يف الثمن، مثلا، في تحصيل وقف كامل فيضم إلى ثمن وقف مستبدل آخر لشراء وقف تام، ذلك أنّ الوقف قد يخرب ويصبح غير ذي فائدة، فالعقل يرجّح ضرورة إجازة بيعه أو استبدال ما هو أنفع للمسلمين به، ثمّ إنّ من شأن إجراء الاستبدال أن يخقف من الأضرار التي قد يلحقها الوقف الخرب بالجيران والبيئة المحيطة به.
(3)
ولعلّ رأي هذا الفريق أولى بالاعتبار، مع الحرص على حسن اختيار الناظر ومحاسبته ومراقبته، وفق الأسس الإدارية والمحاسبية الحديثة، بحيث يتم تحقيق منافع الاستبدال وتجنّب محاذيره، فليس من اللائق أن يرى الناس الأوقاف خربة أو متهدّمة أو مفلسة، حتى صار هذا الوضع المزري علامة على أنّها أموال موقوفة. ولعلّ من المبشر أن نجد اليوم اتجاها في البلدان الإسلامية إلى اتباع سياسة إدارية واستثمارية لأموال الأوقاف، تحقق أقصى عائد ممكن، على أسس اقتصادية سليمة. (4)
الفرع الخامس: موقف التقنين الجزائري من شروط الواقف: أي تصرف يرد على الوقف يكون وفق إرادة الواقف التي عبّر عنها في شكل اشتراطات في صيغة عقد الوقف، وهذا على أساس أنّ اشتراطات (5) الواقف هي التي تحدّد قوانين الوقف دستور الوقف، كما تقرر ذلك المادة 14 من قانون الأوقاف: اشتراطات الواقف التي يشترطها في وقفه هي التي تنظم الوقف، ما لم يرد في الشريعة نهي عنها». وكما تقرّر صراحة المادة 45 من نفس القانون التي تنص: «تنمى الأملاك الوقفية وتستثمر وفقا لإرادة الواقف، وطبقا لمقاصد الشريعة الإسلامية في مجال الأوقاف (6).
وأكد هذا المعنى بتوظيف مصطلح الدولة في احترام إرادة الواقف، إذ نص في المادة 05 من قانون الأوقاف: « … وتسهر الدولة على احترام إرادة الواقف وتنفيذها»، فالشروط التي يضعها الواقف، سواء أكان شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا في العقد الوقفي تبقى ملزمة، ما لم تخالف نصا شرعيا أو قانونيا. للواقف حق التراجع عن بعض الشروط التي حددها في عقد الوقف، إذا أعطى لنفسه هذا الحق أثناء إبرام العقد الوقفي، المادة 15 تنص: «يجوز للواقف أن
يتراجع عن بعض الشروط الواردة في عقد الوقف إذا اشترط لنفسه ذلك حين انعقاد الوقف». الجهة الوحيد التي لها الحق في التدخل وتعديل اشتراطات الواقف بعد إبرام العقد، هي القضاء، عندما ترفع أمامه الدعوى، في ثلاثة نقاط أساسية وهي تأبيد الوقف، والضرر الذي يقع: على الوقف، ومصلحة الموقوف عليه. تنص المادة 16 من القانون نفسه: «يجوز للقاضي أن يلغي أي شرط من الشروط التي يشترطها الواقف في وقفه، إذا كان منافيا لمقتضى حكم الوقف الذي هو اللزوم، أو ضار بمحل الوقف، أو بمصلحة الموقوف عليه».
1 - المبسوط للسرخسي، ج 42/ 11.
2 - المغني لابن قدامة، ج 92/ 6 وما بعدها.
3 - إبراهيم عبد الباقي دور الوقف في تنمية المجتمع، ص،63. 4 - رفيق يونس المصري، الأوقاف فقها واقتصادا، ص 69.
5 - التقنين الجزائري يستعمل مصطلح اشتراطات الواقف بدلا من شروط الواقف. 6 - رمضان قنفود، نظام الوقف في القانون الجزائري، مرجع سابق، ص: 123.