توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ٤٦

الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق

عليه (1)، وأما غيره من الجمادات كالشركات والهيئات والمؤسسات فلم يتصوروا لها ذمة، بل صرّح الأصوليون بأنّ الذمة خاصة بالإنسان وصرح بعض الفقهاء بأنّه لا ذمة للوقف ونحوه، فقد نقل ابن نجيم عن هلال الفقيه الحنفي قوله: «إذا احتاجت الصدقة إلى العمارة، وليس في يد القوم ما يعمرونها فليس له أن يستدين عليها، لأنّ الدين لا يجب ابتداءً إلا في الذمة، وليس للوقف نمة» (2).

وهنا يثور سؤال وهو إذن كيف استطاع الفقه الإسلامي علاج المشاكل الناجمة عند عدم الاعتراف بها؟

للجواب في ذلك نقول: إنّ الفقه الإسلامي وإن لم يعترف للهيئات والشركات بوجود شخصية معنوية على غرار التشريعات الحديثة لكنّه وصل بطريقته إلى حلول تقترب منها حلول الفقه الوضعي من حيث الآثار والنتائج، فقد عالج الفقه الإسلامي الموضوع بشكل يكاد يقر له بنوع من استقلالية الذمة، حيث قرّر الفقهاء جواز الوقف على الجهة، وهي أشخاص غير معينين كالفقراء، أو مصالح خيرية كالمساجد والمستشفيات ونحوه (3)، وقرّر بعضهم كالشافعية (4) والحنابلة (5) وغيرهم جواز انتقال الملك إليها، فهذا دليل على انتقال الملك إلى غير الإنسان، بل أجاز بعضهم الوقف على بهيمة ويقبله المالك وينفق عليها من ريعه (6)، كما ذكر فقهاء الحنفية والشافعية أنه يجوز للقيم أن يستدين على الوقف للمصلحة بإذن القاضي ثمّ يستردّه من غلته (7)، فهذا دليل على أنّ الوقف له نوع من الذمة يستدان عليها ثم يسترد منها حين إدراك الغلة، وقال ابن نجيم: «أجر قيم، ثم عزل، ونصب قيم آخر فقيل: أخذ الأجر للمعزول، والأصح أنّه للمنصوب لأنّ المعزول أجره للوقف، لا لنفسه» (8)، فهذا يدل على أنّ الوقف من حيث هو يقبل الإجارة حيث اعتبر الإجارة له، فعلى هذا إنّ ذمته منفصلة عن ذمّة المتولي، ويستنتج منه أنّ الوقف يثبت له أهلية وجوب، وإن كان لا يتولى الإجارة بنفسه، بل يتولاها ناظر الوقف (9).

وأيضا إنّ المقرر عند الحنفية هو أنّ الإجارة تبطل بموت أحد المتعاقدين، ومع ذلك فهي لا تبطل بموت متولي الوقف فيما لو قام هو بتأجير أموال الوقف (10)، فهذا دليل آخر على أن الوقف

1 - أصول السرخسي، 333/ 2، المغني في أصول الفقه، ص 362، الموافقات للشاطبي، 331/ 2. 2 - البحر الرائق، 226/ 5، وصرح ابن عابدين كذلك بأن الوقف لا ذمة له، انظر حاشية رد المحتار على الدر المختار،

439/ 4

3 - فتاوي قاضي خان،293/ 3 روضة الطالبين، 319/ 5.

4 - الروضة للنووي، 342/ 5.

5 - المغني لابن قدامة 601/ 5. 6 - الروضة، 318/ 5.

7 - انظر فتاوي قاضي خان بهامش الفتاوى الهندية، 298/ 3، والفتاوى البزازية بهامش الفتاوى الهندية، 354/ 6، والدر المختار مع حاشية بن عابدين 439/ 4، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص: 194 - 202، وتحفة المحتاج،

289/ 6

8 - البحر الرائق، 259/ 5. 9 - المرجع السابق، ص 48.

10 - الأشباه والنظائر، لابن نجيم ص 193 البحر الرائق، 144/ 5.

6