توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٤٧الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
يتمتع بنوع من الأهلية يكاد ينفصل عن متوليه، وأورد ابن عابدين مثالا آخر وهو أنّ ناظر على المسجد الموقوف اتفق مع حصري (بائع الحصائر) ليكسو المسجد، ويكون ثمن الحصر من ريع الوقف، فعُزل قبل ظهور الريع، وعيّن أخر، فيلزم الثاني تخليص حق الحصري ودفعه له من ريع الوقف (1)، وهذا لدليل على أنّ جميع التزامات الناظر الأول تنتقل إلى الناظر الثاني، وهذا ما عليه بقية المذاهب (2)
مما سبق يتضح أن الشخصية المعنوية قد عرفها الفقه الإسلامي، بالنسبة لكل من الوقف، والمسجد، وبيت المال والدولة، والحاكم، والوزير .... فهي أسماء مرتبطة بمؤسسات اعتبارية، تقديرية، والمواصفات التي وضعها القانون متوقرة فيها، وإن غابت التسمية أو سميت بغير المسمى المعاصر، «كالذمة»، في الفقه الإسلامي.
سأورد بعض العبارات من مصادرها التي تؤكد هذا الاتجاه.
بالنسبة للمسجد: «الموقوف عليه يشترط فيه أن يكون أهلا للتملك حكما كالمسجد، أو حسا. «صح الإيصاء المسجد، أي لصحة تملكه الوصية» (4). «الوصية للمسجد
كالآدمي (3)
صحيحة .... لأنّ المسجد في منزلة شخص حر
يملك» (5)
بالنسبة لبيت المال «جاز لولي الأمر … أن يقترض على بيت المال … ، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذا بقضائه (قضاء القرض (6).
بالنسبة للوقف: ذكر العلماء «أن الوقف يملك». «وأن الوقف يستدين (8). وهذا ينفى قول من قال من الفقهاء بأنّ الوقف لا ذمة له.
وعرف القرافي الذمة بأنّها وصف شرعي مقدّر في المكلف قابل للإلزام واللزوم». وعرفها العز بن عبد السلام كذلك بأنّها تقدير أمر في الإنسان يصلح للالتزام والإلزام، من غير تحقق له» (10). وقال كذلك: «التقدير معناه إعطاء المعدوم حكم الموجود) (1). وذهبوا إلى أنّ الذمة تبقى مقدّرة، بعد موت الشخص الطبيعي، حتى تصقى الحقوق المتعلقة
1 - العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ص: 202. 2 - انظر: شرح تحفة الأحكام لابن ميارة، 135/ 2، الروضة، 328/ 5 وما بعدها، والمغني لابن قدامة، 597/ 5 وما
بعدها.
3 - انظر: حاشية الخرشي على خليل 80/ 7 الزرقاني على خليل، 76/ 7.
4 - حاشية الدسوقي، 426/ 4.
5 - نهاية المحتاج، 116/ 3 و 46/ 6.
6 - الماوردي، الأحكام السلطانية، ص 31. الفتاوى الهندية، ص: 191/ 1. 7 - الخصاف، أحكام الأوقاف، ص: 122 و 234 و 301 و 308 و 316. 8 - المرجع السابق، ص: 268.
9 - القرافي، الفروق، ص: 231/ 3 و 226 و 237. وانظر: الزرقاني على خليل 216/ 5. حاشية الخرشي على خليل،
216/ 5. مواهب الجليل، 534/ 4.
10 - العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ص: 550.
11 - المرجع السابق، ص: 548.