توثيق الأعيان الوقفية
الجزء ١ · صفحة ٤٨الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق
بالتركة، لقوله: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه» (1).
وفي الأخير نستنتج أنّ مواصفات الشخصية الاعتبارية تنطبق على الوقف، وأنه شخص معنوي، له وجود شرعي يبيح له التعامل مع الناس مباشرة بواسطة ممثله الشرعي، وهو المتولي أو الناظر.
للوقف شخصية اعتبارية مستقلة عن شخصية الواقف ومتوليه، والموقوف عليهم، حيث أنّ الخصومات التي ترفع من الوقف أو عليه لا تكون إلا من وضدّ متولي الوقف، بدون ضرورة إدخال المستحقين فيه (2)
كما أنّ الوقف إذا صح خرج من ملك الواقف، ولم يدخل في ملك الموقوف عليهم. وإذا خرج عن ملك الواقف والموقوف عليهم، أصبح له وجودا مستقلا عن ذمة الواقف والموقوف وبذلك يجوز لناظره الاستدانة له وعليه مما يدلّ على استقلال ذمته عن ذمة مؤسسه
عليهم .. وناظره.
6
(3)
لقد أجازت الشريعة الإسلامية لكلّ من الوقف والمسجد وبيت المال .. أن يكتسب الحقوق وأن يتحمّل الالتزامات، واكتساب الحقوق وتحمّل الواجبات لا يكون من حيث الأصل إلا للأشخاص الطبيعيين، ومن ثم فإذا اعترف لغيرهم بذلك، فإنّه يعتبر إضفاء للصفات الشخصية لغير الشخص الطبيعي، وهذا هو جوهر الشخصية المعنوية. إنّ الذمة المالية المستقلة للشخص المعنوي، هي أساس فكرة الشخصية المعنوية، والتي طبّقها الفقه الإسلامي فيما عرض له من
ضروريات الحياة ولم يجد مفراً من مواجهتها بالأحكام الملائمة.
وهكذا نجد أنّ فكرة الشخصية المعنوية ليست غريبة على الفقه الإسلامي .. وإذا كانت الشريعة الإسلامية لم تنشئ لفكرة الشخصية المعنوية نظرية عامة، فهذا ليس عيبا في الفقه الإسلامي، الذي لم يكن وليد نظريات - كما هو حال القانون الوضعي - فكلّ منهج له أسلوبه وطريقته في معالجة أحكامه، فالفقه الإسلامي ينأى عن الاستغراق في التجريد .. لأنه منهج يتسم بالطابع العلمي المتلاحم مع الواقع .. فيعالج المشاكل القائمة تمّ يضع لها الفروض .. ، وفي أثناء ذلك، يكون واعيا بما تقتضيه البيئة من أحكام ملائمة .. ومن ثم فإنّه قد أخذ بفكرة الشخصية المعنوية بقدر حاجات المجتمع ومتطلباته بحسب أصول الشريعة.
وبذلك تكون الشريعة الإسلامية قد عبّرت عن أساس فكرة الشخصية المعنوية متمثلة ذلك في الوقف والمسجد والشركة .. بما يؤكد أنها مستوعبة لهذه الفكرة كإحدى الفكر القانونية الوضعية التي أقام القانون الوضعي بنيانها لحاجات وضرورات لم تكن موجودة وقت ازدهار الفقه الإسلامي، وقبل غلق باب الاجتهاد في عصور الانحطاط العلمي
إذا كان للعين الموقوفة «أهلية الوجوب» و «والذمة المستقلة على هذا النحو، فمعنى ذلك أنّ الفقهاء قد أسسوا له شخصية اعتبارية بتمام المعنى الاصطلاحي القانوني لذي أقرته التشريعات المدنية الحديثة لأشخاص القانون الخاص، ومنها الجمعيات الخيرية» وهي تشبه المؤسسة الوقفية في بعض
1 - رواه الترمذي، 381/ 3، وقال حديث حسن. زهدي يكن أحكام الوقف، منشورات المكتبة العصرية، لبنان، ط 1، ص: 25 - 26. 3 - مصطفى الزرقا، المدخل الفقهي العام، ص: 259/ 3.
2
انظر: عطية فتحي الويشي، أحكام الوقف وحركة التقنين في دول العالم الإسلامي، الأمانة العامة للأوقاف، الكويت،
2002، ص: 31 - 32.