توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ٤٩

الفصل الأول: أحكام الوقف والتوثيق

جوانبها، ولكنّهما لا يتطابقان، إذ أن بينهما فوارق مهمة، من أكثرها أهمية، أنّ التأسيس الفقهـ للشخصية الاعتبارية للمؤسسة الوقفية لم يترك للجهات الإدارية في الدولة أو أي سلطة في منح الاعتماد لتلك الشخصية، إذ هي تنشأ مع نشأة الوقف بمجرد إرادة الواقف. وللقضاء وحده سلطة الحماية أو التأكد من شرعية الوقف وأهدافه، دون تدخل السلطة الإدارية، حيث لم يعقد لها الفقه أصلا أي اختصاص في هذا الشأن؛ على عكس الحال في معظم القوانين المدنية الوضعية التى تعلق الاعتراف بالشخصية المعنوية للجمعية أو المؤسسة (Fondation). وبحكم هذه الشخصية المستقلة والقائمة بذاتها، كانت بمثابة ضمانة تشريعية قانونية للمحافظة على استقلالية وحماية الأوقاف مما قد يجري عليها من عبث وإهدار واعتداءات (1)

ومن هذا كله؛ فالوقف شخصية اعتبارية كاملة الأهلية ضمن حدود مقاصد الشريعة الإسلامية.

المطلب الثالث: ملكية الأعيان الوقفية بعد وقفها

الفرع الأول: ملكية الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي: للفقهاء أربعة آراء حول ملكية العين بعد وقفها وهي على النحو الآتي:

1. أن يبقى الموقوف في ملك الواقف.

2 أن ينتقل الموقوف إلى ملك الموقوف عليه.

3. أن يخرج الموقوف من ملك الواقف إلى حكم الله سبحانه وتعالى (2).

4. أن يملك الوقف نفسه، وهذا بتأسيس الشخصية المعنوية للعين الموقوفة.

أشير إلى دليل كل فريق ثم الترجيح بين هذه الآراء:

- أولا: الرأي الأول: إنّ الوقف لا يخرج العين الموقوفة عن ملكية واقفها بل تبقى على ملكه، إلا أنّه لا يحق له بيعها ولا هبتها ولا تورث عنه. وقال بهذا الرأي المالكية، ورجّحه الكمال ابن الهمام من الحنفية، وقول الشافعية، وروي عن الإمام أحمد بمثل ذلك (3).

واستدلوا بحديث رسول الله × لعمر: حبس الأصل وسبّل الثمرة»، وجه الاستدلال: أنّ لفظ «حبس»، يشير إلى استبقاء الملك بيد الواقف وإخراج المنافع. كما استدلوا بالمعقول، فقالوا: إن الواقف كان مالكا للعين الموقوفة قبل وقفه لها، والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يزيلها، وحيث لم يثبت ذلك تبقى العين الموقوفة في حوزة صاحبها، إلا أنّ الملكية للعين غير مطلقة بل مقيّدة بالقدر الذي يتحقق معه الغرض من الوقف، وهو التصدّق بالثمرة أو الريع أو المنافع (4).

1 - انظر: الشيخ فرج السنهوري، قانون الوقف، نقلا عن البيومي غانم، الأوقاف والسياسة في مصر، دار الشروق، القاهرة، 1419 هـ/1998 م، ص: 70. 2 - عكرمة سعيد صبري، الوقف الإسلامي بين النظرية والتطبيق، دار النفائس الأردن عمان، ط:1، 2008، ص: 3 - الخرشي، ج 7 ص 78، ومنح الجليل، ج 3 ص،34، والمبسوط، ج 12، ص 27، وفتح القدير، ج 6، ص 204، والبحر الرائق، ج 5، ص،202، والإسعاف، ص 03. 4 - فتح القدير، ج 6، ص 206.

167