توثيق الأعيان الوقفية في الفقه الإسلامي والقانون الجزائري: وقف سيدي بنور بن صالح، دراسة تطبيقية عيسى بن محمد بوراس

توثيق الأعيان الوقفية

الجزء ١ · صفحة ٥٧

الفصل الثاني سندات توثيق الأعيان الوقفية

تنظيم الملكية العقارية، وتأمين استقرار المعاملات العقارية ومنها الوقف، ومنع المضاربة غير الشرعية، وتحقيق الثقة اللازمة فيه (1).

لذلك اضطلعت معظم التشريعات المقارنة؛ وعبر كل العصور المتعاقبة على إنشاء وإبداع نظم عقارية متكاملة، تخضع للتحيين والتطوير باستمرار؛ من أجل ضمان استقرار الملاك والحائزين للأملاك ونظار الأوقاف والحقوق العينية العقارية، وذلك بتنظيم عمليات التملك والانتفاع والاستغلال والتداول لهذه الأموال، بما يضمن حقوق المتعاملين والدولة والغير على

السواء (2)

إذا كانت قاعدة الحيازة في المنقول سند ملكية المطبق على المنقولات، يمكن أن تؤدي دورها في إعلام الغير بالتصرفات الواقعة عليها عن طريق الحيازة، فإنّه على العكس من ذلك بالنسبة للعقارات بحكم طبيعتها، وبما لها من حيّز ثابت مستقر يستحيل نقلها إلى الحوز، فقد دعت الضرورة إلى إيجاد نظام قانوني خاص بها يتلاءم مع طبيعتها، ويؤدي دوره في إعلام الغير بالمالك الحقيقي لها، وبكل التصرفات المختلفة الواقعة عليها كالرهن مثلا، مما يؤدي إلى استقرارها. هذا النظام يسمّى الشهر العقاري الذي تبنته مختلف التشريعات العقارية في العالم (3). ويقصد بالشهر العقاري مجموعة القواعد والإجراءات التي تهدف إلى تثبيت ملكية عقار أو حقوق عقارية لشخص معيّن أو أشخاص معينين تجاه الغير من شأن هذه القواعد والإجراءات تنظيم حق الملكية أو الحقوق العينية العقارية الأخرى عليها في سجلات معدة لإطلاع الكافة فكسب الحق المشهّر على هذا الوجه له قوة الثبوت المطلقة، وبالاستناد إلى هذه السجلات والقيود الواردة فيها، يستطيع الغير أن يتعامل بشأن أي العقارات المشهرة مع صاحب الحق فيه؛ بكل ثقة وطمأنينة. فلا يتردّد بالقيام بأي معاملة من المعاملات العقارية، كالبيع والشراء والهبة والوقف (4)

أوّل وأهمّ نص تطرّق إلى مسألة وجوب إخضاع التصرفات العقارية إلى عملية الإشهار العقاري في القانون الجزائري، أورده المشرع بالمادة 793 من الأمر رقم 58/ 75 المؤرخ في 1975/ 09/26 المتضمن التقنين المدني. مقتضى هذا النص، أنّ كلّ المعاملات العقارية تكون غير نافذة حتى فيما بين الأطراف المتعاقدة إلا بمراعاة إجراءات الشهر العقاري.

ولن تكتمل النصوص المتعلقة بالإشهار العقاري إلا بالتصدّي لأحكام الأمر رقم 74/ 75 المؤرخ في 1975/ 11/12 المتضمن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس السجل العقاري، وذلك لأن العديد من القضايا التي تحكمها مواد التقنين المدني يتوقف حسمها على أحكام هذا الأمر، سواء ما تعلق منها بالحقوق العينية الأصلية: كالبيع والشراء والهبة والتنازل .. ، أو الحقوق العينية التبعية كالرهن أو الحجز القضائي ..

يعتبر الأمر رقم 74/ 75 السابق ذكره، أول قانون للشهر العقاري بالجزائر بعد الاستقلال، وصاحبته عدة مراسيم تنفيذية، تهدف إلى تنظيم الحفظ العقاري وبعث الائتمان في المعاملات

-

1

مجيد خلفوني، نظام الشهر العقاري في القانون الجزائري، ص: 13 2 - محمودي عبد العزيز، آليات تطهير الملكية العقارية، ص:

3 - جمال بوشنافة، شهر التصرفات العقارية في التشريع الجزائري، دار الخدونية 2006، الجزائر، ص: 5.

4 - المرجع السابق، ص: 6