حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٠٣الذين بقوا في مكّة وأغلبهم من اليمامة، فقد قرروا مبايعة ابن الزبير إن
(1
أمّا الخوار الخوارج تبنى مواقفهم وكفر عثماناً وعليا اللذين خالفا القرآن ويدعو هذا الموقف إلى الاستغراب لأنّ ابن الزبير لا يتفق مع الخوارج في الحكم على عثمان وعلي، ولا يمكن أن يتبنى موقفهم خصوصاً بعد أن تغير الوضع وانقلب ميزان القوى لصالحه بموت يزيد وانتهاء الخطر الأموي. لكن إصرارهم على ربط بيعتهم لابن الزبير بتبنيه أقوالهم يؤكد منطق الخوارج اللأسياسي، أو كما يقول هشام جعيط غياب السياسة كتمس يهدف إلى المصلحة أو كعملية حسابية تسعى إلى الربح (1). وهذا المنطق اللأسياسي ميّز الخوارج منذ ظهورهم وهو الذي جعلهم يفشلون في التحالف لا مع ابن الزبير فحسب بل مع كلّ الحركات المعارضة الأخرى، كما أنه سيكون سبباً في انقسامهم وسيحول دون توحدهم بعد ذلك. لكن قبول خوارج اليمامة الاتصال بابن الزبير واظهار استعدادهم للانضمام إلى صفوفه يعدّ في حد ذاته أمراً جديداً لم يسبق لبقية الخوارج القيام به أو حتى قبوله. ولعلّ وجود نجدة الحنفي ضمن هذه المجموعة هو الذي يفسّر قبول أفرادها فكرة الدخول في اللعبة السياسية، لأنّ نجدة قد أظهر منذ تحرّكاته الأولى رغبة كبيرة في التقرب من ابن الزبير والاشتراك معه في النضال ضد الأمويين. لكن نجدة الذي قد يكون توصل إلى اقناع الخوارج بهذا التمشي لم يكن قادراً على تغيير موقفهم المبدئي الرافض لكلّ تعامل مع من لا يتبنّى مواقفهم ومبادئهم، ولذلك اختلفوا مع ابن الزبير وعادوا إلى أمصارهم. وبانصراف الخوارج من مكة ستحصل القطيعة النهائية بينهم وبين ابن الزبير، وسيدخل الطرفان في مواجهة ستستمر طيلة سنوات الفتنة كما ستدخل الحركة بدورها في مرحلة جديدة ومتميزة من تاريخها. ويُمكن قبل الحديث عن تلك المرحلة طرح مسألة العلاقة بين الحركة الخارجية وحركة نجدة الحنفي على ضوء المعلومات المذكورة سابقاً.
لقد ظهر من خلال تتبع تحرّكات الخوارج انقسام المشاركين في الدفاع عن الحرم إلى مجموعتين منفصلتين تتكوّن مجموعة البصرة من عناصر يتفق الرّواة على انتمائها إلى الحركة الخارجية ونشاطها السابق في صفوفها، مثل نافع بن الأزرق وعبيدة بن هلال وأبناء الماحوز، وغيرهم، ولا تشير الرّوايات إلى وجود علاقة سابقة بينهم وبين نجدة الحنفي، ولذلك نستبعد
دخول هذه العناصر في التحرّك مع نجدة بدافع قبلي كما يرى محمد عبد الحي شعبان. أما مجموعة اليمامة، فيبدو من خلال تركيبتها وتتبع تحركاتها أنها كانت تضم عناصر خارجية ملتزمة منهم: رجاء النمري وأبناء بحدج وعطية بن الأسود وغيرهم، بالاضافة إلى عناصر أخرى متسيّسة يقودها نجدة الحنفي لا صلة لها على ما يبدو بالحركة الخارجية. وتؤكد ذلك تحركات قائدها السابقة، فقد كان نشاط نجدة سنة 62 هـ مستقلاً عن الخوارج،
103
DJAIT (H)، op، cit.، p. 272. (\) '