حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٠٤

والأرجح أنه لم يكن سوى تحرّك قامت به عناصر من قبيلة حنيفة بزعامة نجدة للتعبير عن رفضها للحكم الأموي كما يذكر شعبان (1). إلا أن فشل تحرّكات نجدة جعلته يعود إلى اليمامة ويبقى فيها لمراقبة تطوّر الأحداث والبحث عن الفرصة المناسبة للتحرك من جديد. توفّرت هذه الفرصة لما قرّر خوارج اليمامة المشاركة إلى جانب ابن الزبير في الدفاع عن الحرم، فقد انضم إليهم نجدة وأصحابه الذين شاركوا في التّحرّكات السابقة، إلا أن نجدة لم يكن صاحب هذه المبادرة ولم يبرز كقائد للمجموعة كما في السابق، فقد كانت قيادة التحرّك لأحد العناصر الخارجية وهو رجاء النمري. وقد ظلّ خوارج اليمامة رغم مقتل رجاء يقودون المجموعة إلى حين فك الحصار عن مكة ورجوعهم إلى اليمامة، ولم يبرز نجدة طيلة تلك الفترة، ولم يكن له دور الزعامة وإنّما كانت مشاركته ضمن أفراد

المجموعة.

ويُلاحظ المتتبع لتحرّكات الخوارج أثناء الدفاع عن الحرم وبعده أنّ نجدة كان مندمجاً كلياً داخل المجموعة متبنّياً لمبادئها وأفكارها ويُناضل من أجل تحقيقها. قد يكون ذلك عن اقتناع كما قد يكون مجرد غطاء يخفي وراءه الدوافع الحقيقية لخروجه وهي طموحه الشخصي ومصالح قبيلته. ويظهر تطوّر الأحداث أن نجدة قد اقتنع بأن تبني الفكر الخارجي والنضال من أجل تطبيق مبادئه سيمكنه من لعب دور أكبر، ولذلك انضم إلى الخوارج وتمسّك بمطالبهم ودافع عنها ولم يحاول الانسلاخ عنهم أو التقرّب من ابن الزبير والتزم بهذا الموقف إلى حين مغادرة مكة.

وإجمالاً لا يمكن القول إنّ المجموعة التي قدمت من اليمامة كانت تضم عناصر خارجية وأن هدف الدفاع عن الحرم هو الذي قادها إلى مكة. أما العناصر الأخرى غير المعروفة بانتمائها السابق إلى الحركة والتي قد تكون انضمت إليها بهدف تحقيق مصالح شخصية أو قبلية، فإنها لم تبرز في تلك الفترة ولم يكن لوجودها تأثير كبير. إلا أنّ انقسام الخوارج الذي سيحدث في الفترة اللاحقة سيؤدّي إلى تغيير داخل المجموعة وسيكون نجدة أبرز المستفيدين منه.

2 - الفتنة وانقسام الخوارج

أ - موت يزيد واندلاع الفتنة:

كانت خلافة يزيد بن معاوية - رغم ما شهدته من أحداث خطيرة - فترة استقرار نسـ في الدولة الإسلامية. فقد ظلت السلطة قوية وولاة يزيد يمسكون بزمام الأمور في جلّ الأمصار ويسيطرون على الوضع سيطرة تامة. وحتى في الحجاز حيث ثار سكان المدينة ضد يزيد وأعلن ابن الزبير معارضته للخليفة، فإنّ الجيش الشامي قد تمكّن من القضاء على

((1) شعبان صدر الإسلام والدولة الأموية، ص 108.

104