حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٠٨ولم يتبنّها إلا لما أيدها أصحابها بآيات من القرآن.
،
ولئن تحتوي الرّوايات المذكورة - رغم اختلافها - على إشارات مهمة يمكن أن تساعد على تحديد أسباب الخلاف وفهم خلفياته، فإنّ معلومات كثيرة أخرى تبدو غير مقبولة. من ذلك مثلاً الصورة السلبية التي يظهر بها نافع بن الأزرق والتي تتناقض تماماً مع الصورة التي يرسمها له الرّواة أنفسهم في مواقع أخرى وفيها تأكيد على ذكائه وسعة إطلاعه على تعاليم الإسلام ومبادئ الحركة. ولذلك فإنّ الحديث عن تأثره بعناصر مغمورة من أتباعه وخاصة تردّده في قبول هذه الأفكار لا يمكن تصديقه بسهولة. كما أن إلقاء مسؤولية الخلاف على عاتق نافع بن الأزرق وحده يبدو أمراً مستبعداً مهما كانت قيمة هذا الزعيم ومكانته داخل الحركة لأن مواقف عنصر واحد لا يمكن أن تحدث انقساماً إذا لم تكن هناك عناصر أخرى مساندة ومؤيدة له.
كما أنّنا نشك في صحة نسبة الأحكام المتطرّفة إلى عناصر من الموالي بسبب غيابهم شبه الكلّي عن الحركة في تلك الفترة وضعف تأثير العناصر القليلة المنضمة إليها. ولعلّ ميل الرواة إلى نسبة كلّ ما هو متطرّف إلى عناصر غير عربية، مثل عبد الله بن سبأ، هو الذي يفسّر ما ذهبوا إليه.
،
وثمة مسألة أخرى تبدو كذلك غير مقبولة وهي الطابع المفاجيء للخلاف. فلا يوجد في الرّوايات ما يوحي بارتباط المبادئ والأحكام الجديدة التي أصدرها نافع بن الأزرق بالمرحلة السابقة ولا بوجود أرضيّة سهلت حدوثه، وهو أمر يصعب قبوله لأن خلافاً بمثل هذا العمق نادراً ما يحدث بصورة مفاجئة. وحتى إن بدا كذلك فهذا لا ينفي ارتباطه بأحداث وتحوّلات سابقة.
إن كل ما ذكرناه يؤكّد أن مسألة الخلاف الذي عرفته الحركة الخارجية لا تخلو من التعقيد، وأن الاقتصار على الرّوايات الخاصة بها في المصادر لا يكفي لكشف خلفياتها وتتبع مراحلها. ولذلك، فإنّ الرجوع إلى تحرّكات الخوارج منذ موت يزيد أمر ضروري إذا أردنا الوقوف على كل خفايا هذه المسألة وفهم نتائجها.
كانت عودة تحرّكات الخوارج كما رأينا سابقاً مع بداية الأزمة السياسية التي اندلعت في أواخر خلافة يزيد بن معاوية. وإذا كانت التحركات قد اقتصرت على المشاركة في الدفاع عن الأماكن المقدسة، فإنّ موت الخليفة ودخول الدولة الإسلامية في حالة فوضى شاملة قد أفسح لاستئناف نشاطهم بكل حرية. وقد كانت البصرة التي تضم الأغلبية الساحقة من الخوارج نقطة انطلاق هذه التحركات والمركز الرئيسي لها.
المجال أمامهم
كانت بداية التحرّكات بخروج أربعمائة من المحبوسين من سجن ابن زياد ولئن يذكر
108