حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١١٥

وأياً تكن الأسباب المفسّرة لبقاء هؤلاء الخوارج في البصرة، فالأكيد أنهم كانوا رافضين لفكرة الخروج والمشاركة في الانتفاضة التي كان نافع بن الأزرق يستعد للقيام بها، ولذلك فضلوا تحمّل أذى البصريين على الالتحاق بالأهواز ولم يغيروا موقفهم عند وصول رسالة نافع الأولى. لكن المجتمعين في الأهواز لم يقبلوا هذا الموقف وردوا عليه بإصدار حكمهم بالبراءة من كلّ المتخلفين عن الخروج. ولم يكتف نافع بالحكم على القعدة، بل أقحم في رسالته المخالفين للخوارج كذلك وحكم عليهم بالشرك، رغبة منه على ما يبدو في تأكيد صحة موقفه من المتخلفين. فقد أراد بهذا الحكم إقناع القعدة بأنّه لم يعد يتولاهم لا لتخلّيهم عن الجهاد فحسب بل لأنّهم بقعودهم قبلوا العيش مع المشتركين والتعامل معهم مخالفين بذلك تعاليم الإسلام وسيرة الرّسول خاصة.

لكنّ الرّسالة التي ضمّنها نافع هذه المواقف والأحكام كانت سبباً في إحداث الخلاف بين الخوارج - كما ذكرنا سابقاً - واضطرّ القعدة إلى الردّ عليها وتبرير قعودهم). ولم تكن ردود القعدة لترضي نافعاً وأصحابه، لذلك تصدوا لها بمواقف أكثر شدة وتطرّفاً دعموها بحجج وبراهين جديدة وقد تضمنت رسالة نافع الموجّهة إلى نجدة الحنفي مجمل هذه المواقف، ففيها كفّر القعدة ورفض مقارنتهم كما فعل نجدة بالمتخلفين عن الرسول لاختلاف أوضاعهم عنهم. كما تعرّض فيها للمخالفين للخوارج فاعتبرهم مثل آبائهم وأمهاتهم تطبيقاً لقوله تعالى على لسان نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفّاراً) (2). وتطرّق في خاتمة الرسالة إلى مسألة استحلال الأمانة وربطها بمواقفه السابقة من المخالفين فهو يستحل أموالهم كما يستحل دماءهم ولا يعتبرها أمانة بل فيء المسلمين). يتأكد من خلال هذا العرض لمحتوى الرسائل الطابع التطوّري للخلاف، فهو لم يقع بصورة مفاجئة كما يؤكد الرواة وإنّما تطوّر تدريجياً وارتبط بمواقف المجموعات الخارجية

(3)

إزاء مسألة الخروج والمشاركة في الانتفاضة التي أراد نافع وأصحابه القيام بها. أما مسؤولية ابن الأزرق في تفجير الخلاف والتي يركز عليها الرواة فثابتة لا شكّ فيها، فهو الذي أحدث بإثارة مسألة القعود شقاقاً داخل الحركة. لكن رغم الإقرار بمسؤولية ابن الأزرق، فإننا نميل إلى الاعتقاد بأن هناك أسباباً أخرى ساهمت بدورها في وقوع الخلاف. ويتمثل أول هذه الأسباب في وجود بوادر لخلافات بين الخوارج سابقة للفتنة الثانية ارتبطت بمسألة استعراض المخالفين وقتلهم. فقد استنكر بعض الخوارج عمليات

117.110

(1) المبرد الكامل، ص (2) سورة نوح، الآيتان 26 - 27.

115

117_110

-

(3) المبرد الكامل، ص