حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١١٦الاستعراض التي كانت تقوم بها من حين لآخر عناصر خارجيّة في البصرة، وكان في مقدمة المنددين أبو بلال مرداس بن أدية أحد زعماء الحركة الكبار (1). وقد بينا في السابق أن ملامح تيارين مختلفين بدأت تبرز في صفوف الخوارج منذ ولاية عُبيد الله بن زياد أحدهما معتدل ينبذ العنف والثاني متطرّف يرى أصحابه في العنف الوسيلة الوحيدة للردّ على عنف الدولة وعلى كلّ أعداء الخوارج.
وإذا كان تضارب المواقف بشأن مسألة الاستعراض وقتل المخالفين لم يؤد آنذاك إلى خلافات حادة داخل الحركة، فلأنّ الظرفية لم تكن ملائمة لطرحها ومناقشتها وتبني مواقف واضحة بشأنها. لكن هذه المسألة وغيرها ظلت على ما يبدو تختمر في أذهان الخوارج وتتبلور مواقفهم بشأنها تدريجيا فلما اندلعت الفتنة وصدرت مواقف نافع وأصحابه بخصوص القعدة والمخالفين كانت الأرضية مهيأة للردّ عليها خصوصاً وأن الفتنة قد أتاحت للخوارج إمكانية التعبير عن مواقفهم بحرية. ورغم أن المسألة التي أحدثت الخلاف
،
جديدة، فإنّنا لا نشك في تأثير الخلافات السابقة على مواقف الطرفين بشأنها.
أمّا ثاني الأسباب التي جعلتنا لا نحمّل نافعاً وأصحابه وحدهم مسؤولية حصول الخلاف بين الخوارج، فهو مرتبط بطبيعة هذه الحركة التي تحمل في ذاتها بوادر الفرقة والانشقاق، ذلك أن فكرها القائم على قراءة معيّنة للإسلام والرافض لكلّ القراءات الأخرى لا يمكن أن يتطوّر إلا في اتجاه التطرّف (3) ويفضي بالتالي إلى الخلافات.
الخط
ويتأكد ما قلناه من خلال ما وقع في تلك الفترة. فنافع وأصحابه لم يخرجوا عن العام للحركة ولم تكن مواقفهم بخصوص القعدة والمخالفين سوى تطوير المواقف أسلافهم وبالأسلوب نفسه فكل الخوارج تمسكوا بالجهاد واعتبروه واجباً مقدساً وحقوا أصحابهم على الخروج ورفض بعضهم، القعود كما حكم الخوارج بكفر مخالفيهم وقام العديد منهم بعمليات استعراض وقتل ذهب ضحيتها بعض المسلمين. لقد طوّر نافع هذه المواقف والأحكام فحوّل التنديد بالقعود إلى تكفير القعدة، وجعل المخالفين مشركين بعد أن كانوا كفاراً، وصيّر تبعاً لذلك مقر إقامتهم «دار كفر (3) أن كان القرية الظالم أهلها (4). وقد أخضع نافع مثل أسلافه هذه المسائل السياسية للقرآن وسيرة الرسول، واعتبر أحكامه بشأنها بمثابة القناعات الدينية التي لا تقبل النقد
أو الرفض.
(4)
180
(1)،البلاذري، انساب الأشراف، ج 1/ 4، ص 175 - 180.
بعد
116
DJAIT (H)، op، cit.، pp .. 285 - 286 (2)
VE
ص
•
112.
(3) تاريخ الطبري، ج
(4) المبرد الكامل، ص