حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١١٧

وهكذا يظهر أن مسؤولية نافع تقتصر على تفجير الخلاف بطرح هذه القضايا، أما أسبابه العميقة فهي متعدّدة وسابقة لتلك الفترة. وحتّى إذا اعتبرنا تكفير نافع للقعدة سبباً مباشراً لهذا الخلاف فإنّ مسؤوليته تظلّ محدودة لأنه لم يقم سوى بتطبيق مبدأ يتفق حوله كلّ الخوارج، وهو تكفير المخالف والأكيد أنّ ما رفضه القعدة هو تطبيق هذا المبدأ داخل الحركة لأنّه يحوّلهم إلى كفّار، وكذلك ما أظهره نافع وأصحابه من تشدّد في تطبيقه، وهو ما لم يسبق أن قام به أحد من زعماء الحركة. والظاهر أنّ هامش الحرية الذي توفّر لنافع الفتنة هو الذي جعله يتميّز عن أسلافه في هذا الجانب، كما قد يكون لتكوينه وتجربته بسبب السابقة دور في جعله رجل فكر وعمل يرفض الفصل بينهما.

لكن الأزارقة بتبنّيهم هذا الموقف أعطوا مفهوم الإيمان معنى جديداً سيتميزون به عن سائر التيارات الإسلامية وهو ربط الاعتقاد بالعمل لأنّ الاعتقاد مهما كان صادقاً فصاحبه ليس مؤمناً حتّى يكتمل له عنصر العمل المطابق لهذا الاعتقاد (1). وهو ما سيجعل الأزارقة يطالبون في فترة لاحقة كلّ من ينضمّ إلى صفوفهم بإجراء امتحان أو محنة» (2) تؤكّد لهم صحة إيمانه. كما سيطرح ربط الإيمان بالعمل مسألة أخرى هامة هي مسألة مرتكب الكبيرة التي ستكون أحد محاور الجدل بين المسلمين بعد الفتنة الثانية خاصة.

ولم يكتف نافع بن الأزرق وهو في الأهواز بتحرير الرسائل إلى القعدة في البصرة واليمامة لشرح مواقفه بل وضع محاججة قوية ومتماسكة تشبه تلك التي وضعها زعماء الحركة الأوائل لتبرير رفضهم التحكيم هدفها على ما يبدو اقناع مخاطبيه من الخوارج وغيرهم بصحة مواقفه.

وتحتوي محاججة نافع على سلسلة من الأسئلة تتطوّر تدريجيا وتقود المستجوب إلى تقبل أقوال مخاطبه والاقتناع بصحتها وبطلان ما سواها (3)، وهي تعتمد على القرآن وسيرة الرّسول التي أقحمها نافع في الجدل وجعلها مرجعاً لا يقل قيمة عن القرآن، معتبراً ما يقوم به مماثلاً تماماً لما قام به الرسول سابقاً (4).

وقد فتح نافع بهذه المحاججة باب الجدل على مصراعيه وأعطى النقاشات الدينية التي ظهرت بوادرها الأولى إبان الثورة ضد عثمان وخاصة بعد التحكيم دفعاً جديداً ووسع نطاقها وأقحم فيها جميع الخوارج وعدداً كبيراً من المسلمين. وستعمد كل الأطراف المعارضة انطلاقاً تلك الفترة إلى تأويل القرآن وسيرة الرسول بما يتماشى مع مواقفها من

(1) حسين مروّة النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج 1، ص (2) المصدر المنسوب إلى البلاذري ج 11، ص 78 - 80.

ص

(3) انظر هذه المحاججة في تاريخ الطبري، ج (4) المبرد الكامل، ص 115 - 116؛ تاريخ الطبري، ج

0567

ص

7.9_010

„ OYA - OTV

117