حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١١٨وسيكون هذا الجدل المنطلق لما سيُعرف لاحقاً بعلم الكلام. وربّما لهذا السبب ربط العديد من
هذه
هي
الباحثين ظهور البوادر الأولى لهذا العلم بالخلاف بين الخوارج وبنافع بن الأزرق بالذات أهم أسباب الخلاف الذي عرفته الحركة الخارجية مع اندلاع الفتنة الثانية والأطوار التي مرت بها. وإذا كنا قد ركزنا على طرف واحد هو نافع بن الأزرق وأصحابه، فذلك لأهمية الدور الذي لعبوه في هذا الخلاف. لكن القعدة قد ساهموا بدورهم فيه وسهلوا
برفضهم الامتثال لأحكام نافع توسيع نطاقه، وهو ما سنتبينه من خلال ردودهم. ترد ردود القعدة على مواقف نافع في عدة روايات أهمها تلك التي ينقلها الطبري عن أبي مخنف والتي ينقلها المبرّد. ورغم الاختلاف بين الروايتين في خصوص العناصر التي تولّت الردّ على أقوال نافع - وهي قضيّة سنؤجل مؤقتاً الحديث عنها - فإنّها تتفق في المسألة التي تمحورت حولها ردود القعدة. فقد جاء في ردّ ابن إباض قوله: «قد كذب نافع وكذبنا في ما يقول إنّ القوم كفار بالنّعم والأحكام وهم براء من الشرك لا يحل لنا إلا دماؤهم وما سوى ذلك من أموالهم فهو حرام (1). أما المبرد فينقل على لسان أبي بيهس قوله: «إنّ. أعداءنا كأعداء رسول الله تحلّ لنا الإقامة فيهم كما فعل المسلمون بمكة … وأزعم أن مناكحتهم ومواريثهم تجوز لأنهم منافقون يظهرون الإسلام وأنّ حكمهم عند الله كحكم المشركين (2).
(2)
ويتضح من خلال هذه الرّدود أن مسألة القعود لم تعد هي جوهر الخلاف لأن اهتمام القعدة قد تركز على مسألة الموقف من المخالفين والحكم عليهم. ولا يعود هذا الاهتمام على ما يبدو إلى رغبة القعدة في حسم هذه القضية وبيان موقفهم بشأنها وإنما لأنهم وجدوا في طرحها الحجج والبراهين التي تبرّر قعودهم وتبطل حكم الكفر الذي أصدره نافع وأصحابه عليهم. وهذا ما يفسّر الأهمية الكبيرة التي اكتستها هذه المسألة وتحوّلها منذ تلك اللحظة إلى إحدى أهم المسائل التي سيدور حولها جدل الخوارج وعنها ستتفرع قضايا
عديدة.
تو چي
لكن الحكم على المخالفين الذي صدر عن بعض القعدة لم يقنع البقية، فتجنّدت بعض العناصر للردّ عليه. ويحملنا الاهتمام بهذه الردود التي بدأت تظهر في صفوف القعدة إلى تسليط الضوء على الوضع الذي صارت عليه الحركة نتيجة هذا الخلاف.
*
نتائج الخلاف: الانقسام:
مما لا شك فيه أنّ الخلاف الذي نشب داخل حركة الخوارج نتيجة ما تبنّاه نافع وأصحابه من مواقف متصلبة وإصرار القعدة على رفضها وإظهار بطلانها كانت نتيجته
(1) تاريخ الطبري، ج 5، ص
567 - 0568
((2) المبرد الكامل، ص 118.
118