حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٢٢

كفّار بالنعم والأحكام فحسب وهم براء من الشرك، لذلك لا يحلّ للخوارج إلا دماؤهم وما سوى ذلك من أموالهم فهو عليهم حرام (1) ويكتسي هذا الردّ - إذا صح - أهمية كبيرة لأنه يظهر من جهة التّطور الواضح في موقع ابن إباض ومن معه من الخوارج تجاه المخالفين مقارنة بموقف أسلافهم، ويؤكّد من جهة ثانية انتماء هؤلاء الخوارج إلى التيار المعتدل داخل الحركة واتجاه هذا التيار نحو مزيد من الاعتدال.

أمّا تاريخ ظهور الإباضية كمجموعة مستقلة ومتميزة، فلا نستطيع تحديده بدقة، ولكننا لا نستبعد أن يكون ذلك قد وقع في الأشهر الأولى للفتنة الثانية ليس بعيداً عن تاريخ انفصال الأزارقة عن بقية الخوارج. ولئن يبدو قولنا غير منطقي بالنسبة إلى البعض باعتبار أن الردّ عند ابن إباض يتطلب وقتاً للتفكير فيه وبلورته وصياغته، فإنّنا نعتقد أن ما ذكرناه سابقاً عن اهتمام خوارج البصرة ببعض المسائل التي كانوا يختلفون بشأنها وتفكيرهم العميق فيها قد كوّن لديهم بعض الأفكار، فلمّا صدرت أحكام نافع ورفضها القعدة لم يجد ابن إباض عناءً كبيراً في بلورة مواقفه وصياغتها والردّ بها على نافع وعلى بقية الخوارج. بقيت مسألة واحدة يكتنفها بعض الغموض بالنسبة إلى هذا التيار، وتتمثل في الدور المحدود الذي ينسبه الرّواة إلى ابن اباض والذي لا يتماشى مع مركزه كزعيم لهذه المجموعة. فالمصادر غير الخارجية لا تتضمن سوى إشارة واحدة عن مشاركته في الدفاع عن الحرم ثم ردّه على ما جاء في رسالة نافع ولا يختلف الأمر كثيراً في المصادر الاباضية، فهي لا تضيف سوى معلومات قليلة منها مكاتبته عبد الملك بن مروان. لكن هذه المصادر تزخر في المقابل بالمعلومات عن زعماء آخرين وخصوصاً جابر بن زيد (2) الذي يعتبره الشمّاخي أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه أحكامه»، ويذهب إلى حد القول إنّ ابن اباض كان يصدر في أمره عن رأي جابر (3)

ويعود هذا التناقض بين مكانة ابن اباض في صلب الحركة وفي المصادر على ما يبدو إلى محدودية نشاطه السياسي وابتعاده كليا عن النشاط العسكري، وهي الأنشطة التي غالباً ما يهتم بها الرّواة ويسجّلونها. لكن محدودية دوره لم يمنع بعض خوارج البصرة من اختياره زعيماً لهم معتبرين أنّ ردّه على أقوال نافع يكفي لاحتلاله هذه المكانة لأنه كان بمثابة وثيقة

ميلاد الحركة. أما

تقديم جابر بن زيد ومنحه هذه المكانة المتميّزة في المصادر، فيعود على ما يبدو إلى رغبة الإباضية في ربط حركتهم بهذا الشخص لما يتمتع به من مكانة مرموقة لدى

(1) تاريخ الطبري، ج 5، ص 568.

(2) الشماخي، كتاب السير، ص 80؛ البرادي كتاب الجواهر، ص

155

122

070

(3) الشماخي، كتاب السير، ص