حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٢٥

الغموض الكبير الذي يحيط بهذا الإمام الجديد». وبصفة عامة، فإنّ كلّ الزعماء الذين ينسب إليهم تيار الصفرية مجهولون، ولذلك تبقى التسمية غامضة (1)

لكن المتمعن في الرّوايات يُلاحظ أنّ اسم الصفرية يُطلق غالباً على تلك المجموعة من القعدة التي رفضت أحكام ابن إباض بخصوص المخالفين للخوارج. أما الزعيم الذي تُنسب إليه فتتبع الرّوايات يجعلنا نشك في وجوده. ومما يدعم هذا الشك الغموض الكلي الذي يحوم حوله وعدم وجود معلومات تفيد انتماءه إلى الحركة قبل تلك الفترة، وغيابه الكلي بعد الانقسام، ووجود روايات تؤكد ارتباط التسمية بإحدى صفات الخوارج وهي صفرة الوجه. لكن افتراض عدم وجود زعيم لهذه المجموعة يطرح العديد من التساؤلات حول أصل هذه التسمية والطرف الذي أطلقها وأسباب ذلك.

لا يمكن انطلاقاً من المعلومات المتوافرة تقديم إجابة صحيحة ومقنعة عن هذه التساؤلات، لكننا ذلك نميل إلى الاعتقاد بأنّ التسمية قد أطلقت على الذين اتخذوا موقفاً وسطاً بين الأزارقة المتطرفين والإباضية الذين بالغوا في الاعتدال، وأن ذلك تم بعد انقسام الحركة وظهور هذين التيارين ولا نستبعد أن تكون التسمية تحمل معنى الاعتدال بدون مبالغة الذي ميّز هؤلاء الخوارج ولا صلة لها بشخص معين. والأرجح كذلك أنّ الصفرية لم يكونوا تياراً قائماً بذاته ومنظماً وله قيادة يلتف حولها أتباعه مثل الأزارقة أو الإباضية. ولذلك نُسب العديد من الخوارج في مناطق مختلفة وخصوصاً في الجزيرة الفراتية إلى الصفرية من دون أن يعني ذلك تميزهم بمبادئ وأحكام خاصة، وهو ما سنتبينه بوضوح من خلال دراسة الانتفاضات التي تُنسب إلى هذا التيار. كما يؤكد غياب تنظيم

يجمع الخوارج الذين يُنسبون إلى الصفرية انعدام المؤلفات الخاصة بأتباع هذا التيار. إجمالاً يمكن القول إن انقسام الخوارج الذي يُعتبر حدثاً هاماً في تاريخ الحركة قد ارتبط بالفتنة. فموت يزيد بن معاوية وما تلاه من صراع على السلطة قد أفسح في المجال أمام الخوارج لاستئناف نشاطهم بحرية خاصة في البصرة لكن الخلافات سرعان ما أفضت إلى انقسامهم.

ارتبط الخلاف بمسألة سياسية طُرحت مع اندلاع الفتنة، وهي الطريقة التي يجب اعتمادها في النضال ضدّ السلطة. لكن الخوارج سرعان ما أخضعوا هذه المسألة للقرآن ولسيرة الرسول، وحوّلوا «الخروج» أو «القعود» إلى قضية دينية وعنها تفرّعت قضايا أخرى تخص الحكم على المخالفين وأطفالهم ونسائهم. لقد ربط كلّ الرّواة الخلاف وما انجر عنه من انقسام بنافع بن الأزرق باعتباره أوّل من

LEVI DELLAVIDA (L) «Sufria»، In: L'Encyclopédie de L'Islam، Ancienne édition، T. IV، 1934، (1) p. 522.

125