حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٢٦طرح مسألة الخروج) وحكم بالكفر على القعدة. لكن المتتبع للأحداث يتبين أن مسؤولية نافع محدودة لأن الحركة كانت تعرف خلافات سابقة حول بعض المسائل، ساعدت التجربة القاسية التي مرّت بها في ولاية زياد وابنه عبيد الله على اختمارها وتبلورها تدريجيًا فلما اندلعت الفتنة وصدرت مواقف نافع برزت هذه الخلافات على السطح وتمكّن الخوارج من التعبير عنها بحرية وهو ما ساعد على حصول الانقسام. أما مسألة الخروج التي أثارها نافع وكان لها دور في حصول الانقسام، فمسؤوليته فيها لا تكمن في إخضاعها للدّين وتكفير من يخالف موقفه بشأنها، لأن ذلك أسلوب طبقه الخوارج منذ ظهورهم، وإنما تكمن في تطبيقه لها داخل الحركة، وهو ما أدى إلى تكفير عناصر من الخوارج أنفسهم.،وعموماً، فمسؤولية نافع في ما عرفته الحركة في بداية الفتنة ثابتة لا شك فيها. لكنّها تكمن في تفجيره الخلاف بطرح مسألة حسّاسة من دون اعتبار لما عرفته الحركة من تحوّلات في السنوات السابقة والظرفية الجديدة التي خلقتها الفتنة. أما الانقسام فلم تكن مواقفه وحدها المتسببة فيه.
لم يقع الانقسام بصورة مفاجئة كما يذكر الرواة، كما أنّه لم يؤد إلى ظهور كلّ التيارات الخارجية المعروفة في الوقت نفسه. فقد أثبت تتبع الأحداث أنّ الخلاف تطوّر تدريجيًا وأفضى في البداية إلى ظهور مجموعتين الخارجون إلى الأهواز مع نافع وهم: الأزارقة، والمتبقون في البصرة واليمامة وهم «القعدة) وعن هذه المجموعة الأخيرة تفرعت التيارات الخارجية الرئيسية.
كانت الإباضية أولى التيارات التي ظهرت في البصرة لما عارض زعيمها عبد الله بن إباض مواقف نافع بن الأزرق وأحكامه بخصوص المخالفين للخوارج والقعدة. أمّا الصفرية فظهورها كتيار خارجي متميز له قيادة وزعيم معروف فأمر مشكوك فيه، وكل ما أمكننا استنتاجه من خلال الرّوايات هو وجود خوارج من القعدة رفضوا مواقف نافع لتطرّفها ومواقف ابن إباض لاعتدالها الشديد أطلق عليهم الرواة إسم الصفرية» لكن أصل التسمية وتاريخ اطلاقها على هذه المجموعة يبقى أمراً مجهولاً، والأرجح أنه تم بعد الانقسام وارتبط بموقف
الاعتدال الذي تبنّاه هؤلاء الخوارج وجاء التمييز بينهم وبين الإباضية والأزارقة. أما أتباع نجدة الحنفي فلم يكونوا عند الانقسام تياراً خارجيًا متميزاً فكريًا وأيديولوجيا، إذ اكتفوا بتبنّي القعود ورغم اختلافهم مع الأزارقة فقد قرروا مثلهم التوجه نحو العمل العسكري، وبذلك عرفت سنوات الفتنة الثانية أكبر تحرّكات خارجية في شرق الامبراطورية وجنوبها.
II - نشاط المجموعات الخارجية زمن الفتنة
لم يكن انقسام الخوارج الذي تتبعنا مراحله فيما سبق انقساماً فكريا فحسب، بل كان
126