حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٤٦(1)
ومن ناحية أخرى تميّز قطري بن الفجاءة عن الزعماء السابقين للحركة بتأثره بالعصبية القبلية، ويتجلى ذلك من خلال الأشعار المنسوبة إليه). فلأوّل مرّة نجد في الشعر الخارجي إشارات إلى القبائل بأسمائها (3). وقد فسرت سهير القلماوي تأثر قطري بالعصبية القبلية بالموقع الممتاز الذي يحتله في قبيلته (3)، كما قد يكون لهيجان العصبية زمن الفتنة خاصةً في البصرة دورٌ في بروز هذا الشعور. إلا أنّ قوّة الشعور القبلي لم تؤثر كثيراً على سلوك قطري وتصرّفاته خلال فترة توليه لقيادة الحركة وهو ما سنتبينه من خلال تتبع سياسته والتطورات التي عرفتها الحركة تحت قيادته.
تقتصر دراستنا لحركة الأزارقة في فترة خلافة قطري بن الفجاءة على مصدرين أساسيين هما: تاريخ الطبري والكامل للمبرد، لأن ما نجده في المصادر الأخرى ليس سوى إعادة لما ينقله هذان المصدران. أما المصدر المنسوب للبلاذري والذي كان أحد المصادر الأساسية لدراسة هذه الحركة حتى الآن، فإنّه يتوقف عن سرد تحركات الأزارقة مباشرة بعد تولّي قطري القيادة، وإن كان اهتمامه بأحداث خلافة عبد الملك بن مروان جعله يتعرّض لذكر الأزارقة أحياناً، وعموماً، فإنّ كتاب المبرّد يُمكن أن يعوّض هذا المصدر باعتبار أن ما نقله سابقاً مماثل لما ينقله المبرّد والظاهر أن المؤرّخين نقلاً عن الرواة نفسهم وخصوصاً عن المدائني الذي خصّص للخوارج كتاباً كاملا (4)
،
تتشابه المعلومات التي ينقلها الطبري والمبرد فيما يخص الأحداث، لكنها تختلف كثيراً في تسلسلها الزمني. فالطبري الذي يعتمد كليا على أبي مخنف يورد الأحداث ذاتها التي ينقلها المبرد لكن بتسلسل معكوس. هذا بالإضافة إلى اختلافه معه في تحديد بعض التواريخ والأماكن. ويبدو من خلال تتبع الأحداث ومقارنتها، وبالرّجوع إلى الإشارات المتفرّقة وخصوصاً إلى بعض الأشعار المعاصرة لهذه الأحداث، أن الأخبار التي ينقلها المبرد هي أقرب إلى الصحة، ولذلك اعتمدناها في دراسة تلك الفترة لكن من دون أن نهمل روايات أبي مخنف لاحتوائها على تفاصيل هامة لا نجدها في المصادر الأخرى.
(1)
من الأشعار التي تُنسب إلى قطري قوله يوم دولاب: ولو شهدتني يوم دولاب أبصرت طعان فتي في الحرب غير ذميم غداة طفت علماء بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم وكان لعبد القيس أوّل جدّها واحلافها من يحصبُ وسليم المبرد الكامل، ص
(2) سهير القلماوي، أدب الخوارج، ص 66.
ov
(3) المرجع نفسه، ص
1،
(ع) فؤاد سركين تاريخ التّراث العربي، مج 1، ج 2، ص
(123
146