حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٤٩ولم يكن ما قام به أفراد هذا الجيش جديداً فمنذ سنوات عديدة بدأ المقاتلة يُظهرون عدم تحمّسهم للمشاركة في قمع الانتفاضات. وقد انهزمت نتيجة لذلك جيوش كبيرة أمام مجموعات صغيرة من الخوارج وهو ما لم يقع طيلة خلافة علي بن أبي طالب لاقتناع المقاتلة بأن قتال المعارضين واجب مقدس بما أن هدفه تحقيق وحدة الأمة. وقد ازداد كره المقاتلة المشاركة في هذه الحروب في فترة الفتنة ويبدو ذلك واضحاً في البصرة حيث أظهر العديد من البصريين عدم استعدادهم للخروج لمحاربة الأزارقة رغم الخطر الذي يهدّدهم، وغاب الحماس والاندفاع أثناء القتال ولم يعد التراجع والفرار من العدو عملاً مخجلاً كما كان في السابق. كما ضعفت لحمة الجيوش وصار ولاء المقاتلة أقوى من الولاء لقائد الجيش أحياناً. ويبرز هذا بوضوح في جيش البصرة الذي يقوده المهلب إذ كان الأزديون أكثر حماساً واستماتة في القتال إرضاءً للمهلب، وهو ما مكنه من تحقيق انتصارات عديدة وتجنّب الكثير من الهزائم، ويفسّر هذا الوضع تلكؤ جيش البصرة القتال لما تولّى قيادته عمر بن عُبيد الله بن معمر.
في
لزعيم
القبيلة
أمّا الأسباب المفسّرة لهذا الضعف، فيبدو أنها عديدة لعلّ من أهمها سياسة الأمويين المبنية على المحاباة والمحسوبية والتي أقنعت المسلمين أن محاربتهم للثائرين لم تعد في سبيل واجب مقدس بل في سبيل حماية دولة تميّز في المعاملة بين المسلمين خاصة في توزيع المال وتخدم مصالح فئات دون أخرى. وقد تدعم شعور اللامبالاة لدى المقاتلة بسبب الصراع على السلطة بين الأمويين وابن الزبير، وغياب سلطة قوية تجبرهم على القتال
دفاعاً عنها. ويظهر أن هذا الشعور لم يتغيّر بعد عودة العراق إلى الحكم الأموي. كان موت بشر بن مروان نهاية مرحلة تميّزت بالتذبذب نتيجة إصرار ولاة البصرة على إبعاد المهلب وتعيين قادة يجهلون جغرافية المنطقة وأسلوب الخوارج في القتال. وقد كان الأزارقة أوّل المستفيدين من هذه السياسة إذ تمكنوا من تحقيق انتصارات عديدة سهلت عليهم إعادة السيطرة على منطقتي فارس والأهواز والحصول على موارد ضخمة مكنتهم من تعزيز قدراتهم العسكرية (1)
كما استفاد المهلب بدوره من سياسة ولاة البصرة لأنّها أكدت للجميع أنه القائد الوحيد القادر على التصدّي للأزارقة ولا يمكن للدّولة الاستغناء عنه للقضاء على هذه
نعي بشر فجال القوم وانصدعوا إلا بقايا إذا ما ذكر ذكروا
تاريخ الطبري، ج 5، ص
(1) وصف كعب الأشقري قوة الأزارقة في تلك الفترة بالقول: کنانهون قبل اليوم شأنهم حتى تفاقم أمراً كان يحتقر تاريخ الطبري، ج 6، ص (305
149