حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٥٤البستان وانسحابهم إلى اصطخر التي لم تدم إقامتهم فيها طويلاً بسبب الحصار الذي فرضه عليهم جيش المهلب فقد ضاق عليهم المكان وانقطعت المادة التي كانت تأتيهم من فارس و بعدت ديارهم عنهم (1)، فقرروا الخروج إلى كرمان.
(1)
ولم تكن هزيمة يوم البستان حدثاً عاديا بل نقطة تحوّل في الصراع بين الأزارقة والمهلب. فهي التي أفقدتهم السيطرة على منطقة سابور الغنية وجعلتهم يتراجعون نحو اصطخر ثمّ كرمان. ولم يكن سبب ذلك سوى الخلافات التي اندلعت في سابور وأدت إلى قطيعة تواصلت بعد خروجهم إلى اصطخر شهراً كاملا (2)
ولئن يؤكّد المبرّد أن مكائد المهلب هي التي تسببت في حصول الخلاف، فإننا نشك في أنّها السبب الوحيد لاستفحاله بهذا الشكل خصوصاً وأنّ المهلب قد سبق له أن استعمل حيلاً أخرى لا تقل خطورة عنها مثل اختلاق الأحاديث النبوية من دون أن يؤثر ذلك على وحدة الحركة وانسجامها. وهو ما يجعلنا نميل إلى الاعتقاد في حصول تحوّلات داخلية جعلت الأرضية خصبة لتزدهر فيها الخلافات وتتطوّر بسرعة لتفضي إلى قطيعة كادت في البداية أن تكون نهائية لولا تدخل صالح بن مخراق العبدي
(3)
ورغم أنه يصعب من خلال ما يتوافر لدينا من معلومات التعرّف على الأوضاع داخل الحركة والوقوف بالتالي على حقيقة ما جد فيها، فإنّ تتبع الرّوايات آنفة الذكر يثبت وجود مجموعة معارضة القطري داخل الحركة يقودها عبد ربه الصغير ظهرت إثر مقتل الحداد أبزى من خلال انتقادها للعملية والتنديد بها. ولئن يصعب تحديد هوية أفرادها وأسباب معارضتهم لقطري، فإنّ تتبع بقية أطوار الخلاف قد يفيدنا في فهم ذلك
برزت هذه المجموعة من جديد في جيرفت إبان الخلاف الذي وقع بسبب عبيدة بن هلال اليشكري الذي اتهمه بعض الخوارج بامرأة رجل حدّاد رأوه مراراً يدخل منزله بغير إذن وأرادوا إقامة الحدّ عليه إذا ثبت تورّطه. ورغم أن عبيدة بن هلال تمكن بفضل نصائح قطري من إثبات براءته وإقناع الخوارج ببطلان التهمة، فإنّ عبد ربّه الصغير رفض أقواله وتمسك بإقامة الحدّ عليه ولمّا فشل في مسعاه جمع العديد من الأنصار حوله وأخذ البيعة منهم خفية (4) (4). ولئن لا يذكر المبرد شيئاً عن أصحاب عبد ربّه ولا عن الهدف الذي بايعوه
301
(1) تاريخ الطبري، ج 6، ص (2) وصف عمرو القنا هذا الخلاف بقوله:
ألم تر أنّا ثلاثون ليلة قريب وأعداء الكتاب على خفض
(194
(المبرد الكامل، ص
154
194.
200
(3) المبرد الكامل، ص
(4) المصدر نفسه،
مر