حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٥٦

(1)

وشملت حملة المعارضة بالإضافة إلى قطري عناصر أخرى من القيادة مثل عُبيدة بن هلال والمقعطر. ورغم أن قطرياً قد دافع عن أصحابه مذكراً خاصة بسابقتهم وفضلهم وجهادهم في صفوف الحركة فإنّ المعارضين لم يتردّدوا في توجيه التهم إليهم، مؤكدين أنّ هذه الاعتبارات لا قيمة لها عندهم، أو هي على الأقل لا تمنعهم من توجيه النقد إليهم وتسليط العقوبات عليهم إن ثبت تورّطهم وقد تكون هذه الخلافات المتواصلة هي التي دفعت قطريا إلى البحث عن حل يُنهي الأزمة ويُجنّب الحركة خطر الانقسام والتشتت في مثل هذه الفترة الحاسمة. وبما أن الحملة التي كان يشنّها المعارضون قد استهدفته شخصيًا، فقد رأى أن يعزل نفسه ويختار شخصاً آخر يتولى قيادة الحركة، وهو حلّ قد يكون أرضى المعارضين لولا إصرار قطري على تولية

(2)

المقعطر).

(3)

ويبدو واضحاً من خلال النقاشات التي دارت بين قطري وصالح بن مخراق، أحد المعارضين، أنّ الخلاف حول هذه المسألة قد احتد كثيراً واتّسع نطاقه. فقد قال لقطري لما أصر على تولية المقعطر: إنّ النّاس قبلنا قد ساموا عثمان بن عفان أن يعزل عنهم سعيداً بن العاص ففعل) (3)، وفي هذا القول تأكيد على أنّ المعارضين قد عمّقوا النقاش حول مسائل الخلاف وأعادوا قراءة أحداث الفتنة وبحثوا فيها عن مبررات تدعم مواقفهم. وتبدو مقارنة قطري بعثمان بن عفان في غاية الأهمية، فبالإضافة إلى وضعها قطري في مكانة عثمان الخليفة الذي ارتكب أخطاء كثيرة حتى قتل، فإنها جعلت عثماناً أفضل منه لأنه لبي رغبة المسلمين فعزل سعيد بن العاص، في حين أصر قطري على إبقاء المقعطر. كما أنّها تمثل في الوقت نفسه تهديداً لقطري بأنه سيلقي مصير عثمان إذا تمسّك بموقفه ورفض الرضوخ لمطالب الرعية.

كما يظهر من خلال الرّوايات أن الخلافات كانت سبباً في طرح العديد من المسائل الخطيرة، من بينها المسألة الخاصة بأسلوب الحكم، وحدود سلطة الحاكم، ودور الرعيّة في تسيير شؤون المجموعة .. وغيرها. ولعلّ ما يؤكد تطرّق الخوارج إلى هذه المسائل التركيز عليها من قبل طرفَي الخلاف في العديد من المناسبات. فقد جاء على لسان قطري قوله بعد قتله الحدّاد: إن قتل رجل في صلاح الناس غير منكر وللإمام أن يحكم بما رآه صلاحاً وليس للرعية أن تعترض عليه (4). كما جاء على لسان صالح بن مخراق لما رفض

(1) المبرد الكامل، ص

(2) المصدر نفسه، ص

(3) المبرد الكامل،

(4) المبرد، الكامل،

ص

ص

193

202

201؛ ابن أبي حديد، شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 204.

193

156