حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

(1)

،

المستوى العسكري بينما ظلّت القيادة السياسية بيد مجموعة من العرب، منهم عبيدة بن هلال والمقعطر وقطري .. وغيرهم، وهي وضعية قد تكون ساهمت في إبقاء المشاعر العنصريّة حيّة وكانت أحد الأسباب الرئيسية للخلاف. وبالإضافة إلى السبب العرقي، توجد أسباب أخرى تقف على ما يبدو وراء اندلاع الخلاف وهي التي تفسر وجود أربعمائة من العرب في صفوف المعارضة يقودهم عمرو القنا التميمي أحد مؤسسي الحركة وأحد أبرز قادتها. وقد تفطّن محمد عبد الحي شعبان إلى هذه المسألة، فذكر أن الذين انحازوا مع عبد ربه هم من العرب والموالي وغير المسلمين مفسّراً الانقسام بأنّه يمثل ثورة أهالي كرمان بقيادة عبد ربّه ضدّ الخوارج القادمين من المناطق الأخرى، أما سببه فهو خوف الكرمانيين من انتقام الدّولة منهم بعد القضاء على الحركة (2)

ويصعب قبول تفسير شعبان لسبب بسيط وهو عدم خوف هذه المجموعة التي ثارت بزعامة عبد ربّه من انتقام الدّولة، والدليل على ذلك عدم التحاقها بالمهلب بعد الانقسام ومواصلتها الحرب ضدّه إلى آخر لحظة (3). كما تؤكّد أقوال عبد ربه والعديد من أصحابه عدم تراجعهم عن مبادئ الحركة وإصرارهم على مواصلة الحرب حتى النهاية (4). ويبدو أنّ الأمر اشتبه على شعبان فخلط بين الخوارج المنشقين عن قطري وأهالي المنطقة من غير الخوارج. فهؤلاء هم الذين كانوا على ما يبدو خائفين من عقاب الدولة، لذلك كانوا يتجسّسون على الأزارقة لحساب المهلب، وهو ما يتضح من خلال رواية المبرد التي يذكر فيها أن قطريا هدم مدينة اصطخر لأن أهلها كانوا يكاتبون المهلب بأخباره وأراد مثل ذلك بمدينة فسا فاشتراها منه آزاد مرد بن الهربذ بمائة ألف

در هم) (5)

و عموماً، يُمكن القول إنّ قوّة المشاعر العنصرية قد لعبت دوراً رئيسيا في اندلاع الخلاف إلا أنها لم تكن السبب الوحيد. بل انضافت إليها على ما يبدو أسباب أخرى سياسية بالدرجة الأولى، وتتمثل في النقمة على سياسة قطري التي يبدو أنها لم تراع مصالح فئة من الخوارج تضمّ العجم وبعض العرب. ولا نستبعد أن تكون الأزمة الاقتصادية التي انجرّت عن فقدان الخوارج السيطرة على المناطق الغنيّة قد ساهمت بدورها في إبراز عيوب سياسية قطري في تلك الفترة، وساعدت بالتالي على الثورة ضدّه. كما يمكن أن يكون الطموح الشخصي لبعض القادة مثل عمرو القنا التميمي قد لعب دوراً في تقوية الخلافات.

21

117

(1) المبرد الكامل، ص (2) شعبان صدر الإسلام والدولة الأموية، ص (3) المبرد الكامل، ص 210؛ ابن أبي حديد شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 207 - 208.

(4) المصدر نفسه،

ص

(5) المصدر نفسه، ص

209

199

158