حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٦٠ويقودنا هذا التناقض الواضح في سرد أحداث هذه الفترة وتحديد أسماء الزّعماء المنشقين عن قطري إلى البحث عن عدد المجموعات المنجزة عن الانقسام وعن زعمائها. يبدو من خلال تتبع الأحداث ومقارنة الرّوايات أن ما ذكره البغدادي واليعقوبي وبعض الرّواة الآخرين هو الأقرب إلى الصحة. فالحركة انقسمت على ما يبدو إلى ثلاث مجموعات واحدة مع قطري والثانية مع عبد ربّه الكبير، والثالثة مع عبد ربّه الصغير. وبما أن عدد أفراد هذه الأخيرة كان محدوداً، فقد تم القضاء عليها بسهولة وانحصر الخلاف بذلك بين المجموعتين الأخريين الرئيسيتين. وقد يفسّر غياب مجموعة عبد ربه الصغير عن الساحة مبكراً عدم إتيان العديد من الرّواة على ذكرها في الحروب التي دارت بين المهلب والأزارقة بعد الانقسام والتركيز على عبد ربه الكبير وأصحابه وحتى المبرد الذي لا يذكر سوى عبد ربه الصغير كمعارض لقطري وزعيم للمجموعة المنشقة عنه، فهو يشير عند تعرّضه لهذه المعارك إلى قائد الأزارقة باسم عبد ربه» (1)، وهو اسم يُمكن أن ينطبق على الزعيمين معاً. ونستبعد أن يكون المبرد قد أراد الاختصار لأنه كان دائم الحرص على ذكر اسم هذا الزعيم كاملاً واسم قبيلته في أغلب الأحيان. والظاهر أن الأمور قد اشتبهت عليه، فالتجأ إلى استعمال الاسم ناقصاً حتّى يتجنّب الخلط ولا يقع في تناقض مع ما ذكره سابقاً. وقد تعمّد العديد من الرواة وخصوصاً المتأخرون منهم الاقتصار على اسم عبد ربه أو (عبد) «ربّ للدلالة على زعيمي الأزارقة اللذين خرجا على قطري بن الفجاءة من دون تمييز
بين الشخصين.
أما عن سير
الأحداث بعد الانقسام، فيظهر أن الحرب ما لبثت أن نشبت بين الأزارقة من دون أن يتدخل المهلب (2) رغم إلحاح مبعوثي الحجّاج عليه. وقد كتب موضحاً موقفه في رسالة يقول فيها: لست أرى أن أقاتلهم ما داموا يقتل بعضهم بعضاً وينقص بعضهم عدد بعض. فإن تمّوا على ذلك فهو الذي نريد وفيه هلاكهم، وإن اجتمعوا لم يجتمعوا إلا وقد رقّق بعضهم بعضاً، فأناهضهم على تفيئة ذلك وهم أهون ما كانوا وأضعفه شوكة» (3) انتهت الحرب بين الأزارقة بهزيمة قطري بن الفجاءة وأصحابه واستيلاء عبد ربه الكبير على مدينة جيرفت ويذكر المبرد أن قطريا لما انهزم خرج من كرمان حتى لا يكون بين عدوّين: المهلب وعبد ربّه، وأن المهلب هو الذي دسّ إليه من ينصحه بذلك حتى ينفرد
بباقي الخوارج
(4)
(1) المبرد الكامل، ص
(2) المبرد الكامل،، ص
(3) تاريخ الطبري، ج
(4) المبرد، الكامل، ص
6
202؛ ابن أبي حديد، شرح نهج البلاغة، ج 4، ص 203 - 204.
303 - 304
202
160