حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٦٥سيطرتهم على مناطق شاسعة دولة خارجية اختاروا كرمان مقراً لها. ويظهر أن اختيار المكان جاء في الأشهر الأولى لاندلاع الثورة والأرجح أنه تم منذ أن تولّى المُهلب حرب الأزارقة وبدأ يسترجع بعض مناطق الأهواز من سيطرتهم. وقد اختار الخوارج كرمان لأنها بعيدة عن البصرة وغنيّة جدّاً بزراعتها ومواشيها (1)، ولها مداخيل ضخمة تمكنهم من توفير ما يحتاجون إليه من مؤونة وعتاد. ورغم سيطرة الأزارقة على مناطق أخرى، فقد ظلت كرمان طيلة سنوات الثورة ملجأ الخوارج يقصدونها كلما احتاجوا إلى الاستراحة وتجديد قوتهم. لا نملك معلومات كثيرة عن دولة الأزارقة، وتدلّ الإشارات القليلة المتوافرة على أنّها لم تكن تختلف كثيراً عن الدولة الإسلامية من حيث التنظيم. فالسلطة العليا كانت بيد الخليفة الذي يحمل لقب أمير المؤمنين وتتمثل مهامه في تعيين القاضي والعمال وتغييرهم أو عزلهم ومحاسبتهم عند الاقتضاء كما يقود العمليات العسكرية.
ويُساعد الخليفة في إدارة شؤون الدولة بعض المقربين منه يستشيرهم في المسائل الهامة. ويظهر من خلال الأسماء القليلة المذكورة أنّ أغلبهم كان من النخبة البصرية التي شاركت في تأسيس الحركة وتفيد رواية ابن أبي حديد بخصوص الزبير بن علي بوجود خطة أمير داخل هذا التنظيم لم نتوصل إلى معرفة تاريخ إحداثها ودور المكلف بها وشروط اختياره والأشخاص الذين تولوها بعد الزبير بن علي. إلا أننا نميل إلى الاعتقاد بأن إحداثها كان بعد تأسيس دولة الأزارقة، وهي تقليد للتنظيم الإسلامي الذي يحمل فيه الولاة هذا اللقب. ويدلّ تنظيم الدولة على أن الأزارقة قد حافظوا على النموذج الإسلامي ولم يُحدثوا مؤسسات جديدة يمكنهم من خلالها المشاركة في إدارة شؤون دولتهم كما كانوا يرغبون. ولم تكن العناصر القيادية للأزارقة هي التي تباشر إدارة شؤون المجموعة بحكم تنقلاتها الدائمة وانشغالها المتواصل بالحروب والمعارك. لذلك كان العمّال يتولون مختلف الأعمال إلى حين عودة القادة التي كانت تتم من حين لآخر وتدوم فترات متفاوتة تبلغ أحياناً عدة أشهر (3). ويتمّ عند عودة القادة على ما يبدو البت في المسائل الهامة.
(2)
ولعل الأمر اللافت للانتباه عند دراسة هذه الحركة ما يذكره الرواة عن تسامح الأزارقة في تعاملهم مع بعضهم البعض، إذ يذكر المدائني أنّهم كانوا لا يكفرون من أهل الكبائر في دار هجرتهم إلا القاتل (3)، في حين أنّهم يكفّرون أهل الكبائر من بقية المسلمين ويحكمون بخلودهم في النّار. كما أنهم أسقطوا الرّجم على الزاني وحرموه لعدم وجوده في القرآن (4).
(3)
(1) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ج 4، ص 454.
174
(2) المبرد الكامل، ص (3) المصدر المنسوب للبلاذري، ج
11، ص
(4) البغدادي الفرق بين الفرق ص
94.
457 الشهرستاني الملل والنحل، ج 1، ص 164.
165