حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٦٧

ولذلك لم تتمكن من إلقاء الضوء على مختلف جوانبها وظلت العديد من نقاط الاستفهام الخاصة بنشأتها وتطوّرها وانقسامها مطروحة إلى حد الآن.

ويبقى توضيح هذه النقاط والإجابة عليها رهناً بتوافر الدّراسات الخاصة بشبه الجزيرة العربية والتحوّلات التي شهدتها في تلك الفترة، ووضع القبائل فيها وعلاقات بعضها ببعض وبالسلطة، ودورها في مختلف الأحداث التي شهدتها المنطقة. ورغم أن عدد هذه الدراسات ما زال محدوداً، فإنّ ما هو متوافر يمكن من رسم صورة ولو تقريبية لهذه الحركة ولمختلف التطوّرات التي عرفتها إبان الفتنة

أ - نجدة الحنفي يجمع خوارج اليمامة ويقود تحركاتهم:

تذكر المصادر عند تعرضها لنشأة الحركة الخارجية في المناطق الشرقية لشبه الجزيرة العربية أن الخوارج الذين انتقلوا من اليمامة إلى مكة للدّفاع عن الحرم عادوا من جديد بعد موت يزيد بن معاوية فوثبوا باليمامة مع أبي طالوت ثمّ أجمعوا على نجدة بن عامر الحنفي فبايعوه وخلعوا أبا طالوت (1). وهذه الرّواية مقتضبة جداً وغامضة لا تعطي أية تفاصيل عن الظروف التي تم فيها اختيار أبي طالوت زعيماً للمجموعة ولا عن الأسباب التي أدت إلى عزله ومبايعة نجدة مكانه. ويستدعي توضيح هذا الغموض تتبع تحرّكات خوارج اليمامة منذ عودتهم من مكة سنة 64 هـ إلى حين اختيار نجدة سنة 66 هـ.

لقد بينا سابقاً أنّ الخوارج الذين قدموا إلى مكة للدّفاع عن الحرم من هجومات الجيش الشامي عادوا إلى بلدانهم بعد فك الحصار. وإذا كانت مجموعة البصرة قد عادت إلى مصرها متوحدة (2) نظراً للعلاقة المتينة التي تربط بين أفرادها، فإن مجموعة اليمامة عادت مشتتة ومتفرّقة. ولا يعود هذا التشتت على ما يبدو إلى اختلافات إيديولوجية بل إلى ضعف الصلة التي كانت تربط أفرادها. فالعناصر الخارجية التي استنفرها رجاء النمري من اليمامة للدفاع عن الحرم لم تكن تربطها علاقات متينة في الفترة السابقة، لذلك تفرّقت بانتهاء المهمة التي قدمت من أجلها. ولا يظهر من خلال الرّوايات أن خوارج اليمامة استغلوا فرصة وجودهم في مكة للتنسيق فيما بينهم والتخطيط للقيام بعمل منظم في المستقبل. ولعلّ عدم قيامهم بتحركات سابقة وضعف تجربتهم النضالية هو الذي جعلهم لا يملكون تصوّراً واضحاً للعمل في المستقبل.

كان أبو طالوت سالم بن مطر أحد أبرز العناصر الخارجية التي عادت إلى اليمامة ونشطت فيها. فقد قام بعد عودته بالدعوة إلى نفسه (3)، فبايعه خمسون على أنهم إن

(1) تاريخ الطبري، ج

(2) المصدر نفسه، ج (3) المبرد الكامل، ص

ص

0566

0567

(3)

113؛ ابن الأثير، الكامل، ج 3، ص

352

167