حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأموي (37 - 132هـ) لطيفة البكاي

حركة الخوارج

الجزء ١ · صفحة ١٧٨

(1)

لم تعجب هذه الأحكام بعض الخوارج لمخالفتها مبادئ الحركة وتعاليم الإسلام الواردة في القرآن وبسببها خالفوا نجدة وانشقوا عنه. غير أن المتتبع للرّوايات يُلاحظ أن هذه الأحكام ليست وليدة الفترة التي وقع فيها الانقسام، بل يعود أغلبها إلى الأشهر الأولى التي تلت نشوء الحركة. فوقعة القطيف التي كانت السبب في تبنّي نجدة المبدئه الأساسي القائل: إنّ الجاهل معذور بجهله قد وقعت سنوات طويلة قبل حدوث الانقسام، ولم يثر تبنّي نجدة لهذا المبدأ آنذاك أي ردّ فعل داخل الحركة والظاهر أن الخوارج تبنوه بدورهم، إذ يذكر الأشعري أن نجدة) لما عذر ابنه المطرح وأصحابه بجهالتهم، بايعه على ذلك أصحابه وعذروا بالجهالات (2). وينطبق هذا على معظم أقوال نجدة المتفرعة عن هذا المبدأ الأساسي، وهو ما يفسّر التفاف الخوارج حوله وبقاء الحركة متماسكة سنوات طويلة بعد حادثة القطيف.

ويجرنا هذا الاستنتاج إلى التساؤل عن الأسباب الحقيقية التي كانت وراء اندلاع

الخلاف داخل الحركة.

(3)

تذكر كتب التاريخ العام أنّ من بين أسباب الخلاف مكاتبة عبد الملك بن مروان نجدة الحنفي يدعوه إلى طاعته مقابل أن يهدر له ما أصاب من الأموال والدّماء ويولّيه اليمامة وما حولها (3). فقد اعتبر بعض الخوارج أن عبد الملك ما كاتب نجدة إلا لاقتناعه بإمكانية جلبه إلى صفوفه (4)، وهو عمل يرفضه الخوارج بسبب عدواتهم الشديدة للأمويين. وترتبط بهذه المسألة حادثةٌ أخرى كانت بدورها سبباً في حصول خلافات بين نجدة وبعض أتباعه على رأسهم عبد الرحمن بن بحدج وتتمثل في تعمّده اشتراء ابنة لعمرو بن عثمان عفان

(4)

بن

من

أموال الحركة وردّها إلى عبد الملك (ه)، وكان ابن بحدج هو الذي أصابها في إحدى

الغارات (6). ولم تكن هذه أوّل مرة يقوم فيها نجدة بأعمال من هذا القبيل، فقد سبق له أن (1) تعود هذه الحادثة إلى سنة 66 هـ، وهي الفترة التي أغارت فيها جيوش نجدة على منطقة البحرين، ولا يمكن أن تتجاوز سنة 67 هـ لأنّ المطرح بن نجدة بطل الحادثة قتل خلال هذه الغارات: المصدر المنسوب

للبلاذري، ج 11، ص

132.

(2) الأشعري مقالات الإسلاميين، ص 90؛ الشهرستاني الملل والنحل، ج 1، ص

(3) المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، ص

(4) المصدر نفسه،

ج

11، ص

143

143

(5) ثمة اختلاف كبير بين الرّواة في خصوص هذه الحادثة، فبعضهم يذكر أن نجدة ردّ ابنة عمرو بن عثمان إلى ابن الزبير، في حين يرى البعض الآخر أنه ردّها إلى عبد الملك. وإذا كنا لا نستطيع ترجيح رواية على أخرى، فإنّنا نستبعد إرجاعها إلى ابن الزبير نظراً للعداوة بين الطرفين وعدم قدرة ابن الزبير على الانتقام

من نجدة من أجل هذه المرأة.

(6) المصدر المنسوب للبلاذري، ج

، 11

ص

137.

178