حركة الخوارج
الجزء ١ · صفحة ١٨٠ولم يكن عبد الرحمن بن بحدج الحنفي الذي ثار بعد عطيّة أوفر حظا من سلفه، فقد
انتهت ثورته بانسحابه إلى فارس مع بعض أتباعه حيث تلقتهم جيوش عبيد الله بن، معمّر عامل مصعب بن الزبير على فارس وقضت عليهم
(1)
أما ثورة أبي فديك، فتبدو مختلفة عن سابقتيها لأنها حدثت في ظروف مغايرة وجمعت عدداً أكبر من أفراد الحركة فكانت بذلك ثورة مجموعة لا ثورة أفراد. ولم يكن لهذه الثورة أسباب خاصة بها فكلّ ما تذكره المصادر هو أنّ الثائرين نقموا على نجدة لما قام به من أعمال ولما أحدثه من مقالة، فطلبوا منه أن يتوب. فلما تاب ندم قوم على استتابته وطلبوا منه أن يتوب عن توبته فكان ذلك سبباً في حصول خلافات داخل الحركة انتهت بخلعه وانتخاب أبي فديك (3). ويضيف عبد الكريم النّجم أنّ التنافس القبلي بين حنيفة وقيس بن ثعلبة قد يكون من بين الأسباب التي دفعت أبا فديك وأصحابه إلى خلع نجدة. ولا يعود نجاح أبي فديك في إزاحة نجدة إلى ارتفاع عدد أنصاره فحسب، بل خاصةً إلى الظرف الذي قام فيه بالعملية، فقد استغل غياب أصحاب نجدة المقربين الذين كانوا متفرّقين في الضواحي للغزو لخلعه ثم قتله بأقصى السرعة. ولئن مكن الانقلاب الذي قام به أبو فديك من القضاء على حكم نجدة، فإنّه شتّت كذلك الائتلاف الذي كوّنه، إذ انقسمت الحركة بعده بين مؤيدين لأبي فديك وهم «الفديكية»، ورافضين لقتل نجدة وهم النجدية)) (3). ولا تحمل هذه التسميات في طياتها على ما يبدو مضامين فكرية، ولا تعدو أن تكون نسبةً إلى زعماء هذه المجموعات، إذ لا نجد في المصادر ما يفيد تبنيها مبادئ جديدة تميّزها بعضها عن بعض. ويؤكّد الأشعري ذلك عند حديثه عن «الفديكية» إذ يقول: ولا نعلم عنهم أنهم تفرّدوا بقول أكثر من إنكارهم على نافع ونجدة ما حكيناه عنهم (4). وينطبق هذا القول على أصحاب عطية بن الأسود الذين صاروا بعد انفصالهم عن نجدة يُسمّون العطوية» (5)
ولا تذكر المصادر شيئاً عن نشاط أنصار نجدة أو «النجدات» بعد الانقسام. ويُعدّ صمت المصادر في حد ذاته دليلاً على توقف نشاطهم العسكري. إلا أن هذا لا يعني نهاية الوجود الخارجي في منطقة اليمامة التي ينتمي إليها أغلب أصحاب نجدة المقربين بل تحوّله على ما يبدو إلى حركة فكرية دينية.
(1) المصدر المنسوب للبلاذري، ج
، 11
ص
0149
(2) تفاصيل هذه العملية تجدها في العديد من المصادر منها: المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، ص 143.
(3) الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 92؛ البغدادي الفرق بين الفرق، ص
93
(4) الأشعري مقالات الإسلاميين، ص (5) المصدر المنسوب للبلاذري، ج 11، ص 143 - 144.
180